ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 3 من 7

الأدب الصغير

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 3 من 7907 كلمة في هذا الجزء

بماذا يُستطاع السلطان

لا يُستطاعُ السلطانُ إلا بالوزراء والأعوانِ، ولا ينفعُ الوزراء إلا بالمودةِ والنصيحةِ، ولا المودةُ إلا مع الرأي والعفاف.

وأعمالُ السلطانِ كثيرةٌ، وقليلٌ ما تستجمعُ الخصالُ المحمودةُ عند أحدٍ، وإنما الوجهُ في ذلك والسبيلُ الذي به يستقيمُ العلم أن يكون صاحبُ السلطانِ عالماً بأمورِ من يريدُ الاستعانةَ به وما عند كل رجلٍ من الرأي والغناء، وما فيه من العيوبِ. فإذا استقر ذلك عنده عن علمهِ وعلم من يأتمنُ وجهَ لكل عملٍ من قد عرف أن عندهُ من الرأي والنجدةِ والأمانةِ ما يحتاجُ إليه فيهِ، وأن ما فيه من العُيوبِ لا يضر بذلك، ويتحفظُ من أن يوجه أحداً وجهاً لا يحتاجُ فيه إلى مروءةٍ، إن

كانت عندهُ، لا يأمنُ عيوبهُ وما يكرهُ منه.

ثم على الملوكِ، بعد ذلكَ، تعاهدُ عمالهم وتفقد أمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسانُ محسنٍ ولا إساءةُ مسيء.

ثم عليهم، بعد ذلكَ، أن لا يتركوا محسناً بغيرِ جزاءٍ ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على الإساءةِ والعجزِ. فإنهم إن تركوا ذلك، تهاونَ المحسنُ، واجترأ المسيءُ، وفسد الأمرُ، وضاعَ العملُ.

الدنيا دُول

اقتصارُ السعي إبقاءٌ للجمامِ، وفي بعد الهمةِ يكون النصب، ومن سأل فوق قدرتهِ استحق الحرمانَ، وسوءُ حملِ الغنى أن يكونَ عند الفرحِ مرحاً، وسوءُ حملِ الفاقةِ أن يكون عند الطلبِ شرهاً، وعارُ الفقر أهونُ من عار الغنى، والحاجةُ مع المحبةِ خيرٌ من الغنى مع البغضةِ.

الدنيا دولٌ، فما كان لك منها أتاكَ على ضعفكَ، وما كان عليك لم تدفعهُ بقُوتكَ.

المثل أوضح للمنطق

إذا جعل الكلامُ مثلاً، كان ذلك أوضحَ للمنطقِ وأبيسَ في المعنى وآنق للسمعِ وأوسعَ لشعوبِ الحديثِ.

لا مال أفضل من العقل

أشد الفاقةِ عدمُ العقلِ، وأشدّ الوحدةِ وحدةُ اللجوجِ، ولا مال أفضلُ من العقلِ، ولا أنيس آنسُ من الاستشارةِ.

كن ستوراً

مما يعتبرُ به صلاحُ الصالحِ وحسنُ نظرهِ للناسِ أن يكونَ إذا استعتبَ المذنبُ ستُوراً لا يشيعُ ولا يذيعُ، وإذا استشيرَ سمحاً بالنصيحةِ مُجتهداً للرأي، وإذا استشارَ مطروحاً للحياء منفذاً للحزمِ معترفاً للحقّ.

الحارس والمحروس

القسم الذي يقسمُ للناس ويمتعونَ به نحوان: فمنهُ حارسٌ ومنهُ محروس، فالحارسُ العقلُ، والمرحوسُ المالُ، والعقلُ، بإذن اللهِ، هو الذي يحرزُ الحظ، ويؤنسُ الغربةَ، وينفي الفاقةَ، ويعرفُ النكرة، ويثمرُ المسبكبة، ويطيبُ الثمرةَ، ويوجهُ السوقةَ عند السلطانِ، ويستنزلُ للسلطانِ نصيحةَ السوقةِ، ويكسبُ الصديقَ، ويكفي العدو.

الأدب العظيم

كلامُ اللبيبِ، وإن كان نزراً، أدبٌ عظيمٌ، ومقارفةُ المأثم، وإن كان محتقراً، مصيبةٌ جليلةٌ. ولقاءُ الإخوانِ، وإن كان يسيراً، غنم حسنٌ.

أجناس الناس

قد يسعى إلى أبوابِ السلطانِ أجناسٌ من الناسِ كثيرٌ، أما الصالحُ فمدعو، وأما الصالحُ فمقتحم، وأما ذو الأدبِ فطالبٌ، وأما من لا أدبَ لهُ فمختلسٌ، وأما القوي فمُدافعٌ، وأما الضعيف فمدفوعٌ، وأما الحسنُ مستثيب، وأما المسيء فمستجير. فهو مجمعُ البر والفاجر، والعالمِ والجاهلِ، والشريفِ والوضيعِ.

الناسُ، إلا قليلاً ممن عصم اللهُ، مدخولونَ في أمورهم: فقائلهم باغٍ، وسامعهم عيابٌ، وسائلهم متعنتٌ، ومجيبهم متكلفٌ، وواعظُهمُ غيرُ محققٍ لقولهِ بالفعلِ، وموعوظهم غير سليمٍ من الاستخفافِ، والأمينُ منهم غيرُ متحفظٍ من إتيان الخيانة، والصدوقُ غيرُ محترسٍ من حديث الكذبةِ، وذو الدينِ غيرُ متورعٍ عن تفريطِ الفجرةِ، والحازمُ منهم غيرُ تاركٍ لتوقعِ الدوائرِ.

يتناقضُون الأنباء، ويتراقبون الدول، ويتعايبونَ بالهمز، مولعونَ في الرخاء بالتحاسدِ، وفي الشدةِ بالتخاذُلِ.

لا تغتر بالدنيا

كم قد انتزعتِ الدنيا ممنِ استمكنَ منها واعتكفت لهُ فأصبحتِ الأعمالُ أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذُرُهُم.

فأصبحنا خلفاً من بعدهم، نتوقعُ مثل الذي نزلَ بهم، فنحنُ إذا تدبرنا أمورهم، أحقاءُ أن ننظر ما نغبطهم به فنتبعهُ وما نخافُ عليهم منه فنجتنبهُ.

كيف تطلع السلطان على عورتك

كان يُقالُ إنّ الله تعالى قد يأمرُ بالشيء ويبتلي بثقلهِ ونهى عن الشيء ويبتلي بشهوته.

فإذا كنتَ لا تعملُ من الخير إلا ما اشتهيتهُ، ولا تتركُ من الشر إلا ما كرهتهُ، فقد أطلعتَ الشيطان على عورتك، وأمكنتهُ من رمتك، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تُحب من الخير فيكرههُ إليكَ وفيما تكرهُ من الشر فيحببهُ إليك. ولكن ينبغي لكَ في حب ما تُحب من الخير التحاملُ على ما ستثقلُ منه، وينبغي لكَ في كراهةِ ما تكرهُ من الشر التجنبُ لما يحب منهُ.

زخرف الدنيا

الدنيا زخرفٌ يغلبُ الجوارحَ، ما لم تغلبهُ الألبابُ. والحكيمُ من يغضي عنهُ ولم يشغل به قلبهُ: اطلعَ من أدناهُ فيما وراءهُ، وذكر لواحقَ شرهِ فأكلَ مرهُ وشربَ كدرهُ ليحلو لي لهُ ويصفو في طلوٍ من إقامةِ العيش الذي يبقى ويدومُ، غيرَ عائفٍ للرشدِ إن لم يلقهُ برضاهُ، ولم يأتهِ من طريقٍ هواهُ.

القيام على الثقة

لا تألفِ المستوخم، ولا تُقِمْ على غيرِ الثقةِ.

شكر الله على نعمه والعمل بطاعته

قد بلغ فضل الله على الناس من السعة وبلغت نعمتهُ عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظاً وأقلهم منهُ نصيباً وأضعفهم علماً وأعجزهم عملاً وأعياهم لساناً بلغ من الشكر له والثناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ لهُ منه أعظمهم حظاً وأوفرهم نصيباً وأفضلهم علماً وأقوالهم عملاً وأبسطهم لساناً، لكان عما استوجب الله عليه مقصراً وعن بلوغِ غايةِ الشكر بعيداً.

ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمهِ والثناء عليه والتحميد لهُ، فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عندهُ والوسيلة إليه والمزيد فيما شكرهُ عليه من خير الدنيا، وحسن ثوابِ الآخرة.

أفضلُ ما يعلم به علم ذي العلم وصلاحُ ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لسحنِ ثوابه في المعادِ إليه، وأن يبينَ الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه، و أن يورث ذلك أهلهُ ومعارفهُ ليلحقهُ أجرهُ من بعد الموتِ.

الدين أفضل المواهب

الدينُ أفضل المواهبِ التي وصلت من الله إلى خلقهِ، وأعظمها منفعةً، وأحمدُها في كل حكمةٍ، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنةِ الجهال على جهالتهم بهما وعماهُم عنهما.