رأيتُ سنَا برقٍ فقلتُ لِصاحبي ... بعيدٌ بفلجٍ ما رأيتُ سحيقُ
فباتَ مهماً لي يذكِّرني الهوَى ... كأنِّي لبرقٍ بالحجازِ صديقُ
وباتَ فؤادِي مستخفاً كأنَّه ... خوافِي عقابٍ بالجناحِ خفوقُ
فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له.
ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون للشاعر فضيلة الشعر.
فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد مثله وهو:
أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي ... أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ
لقد كنتُ آتِيها وفي النَّفْس هجْرُها ... بَتَاتاً لأخرى الدهرِ ما طلعَ الفجرُ
فما هوَ إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهتُ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
وأنسَى الذي قد كنتُ فيهِ هجرتُها ... كما قد تنسِّى لبَّ شاربِها الخمرُ
وفي هذه القصيدة أيضاً موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في اهل الهوى عامة، وهو قوله:
ويمنعنُيِ من بعْض إنكارِ ظلمِها ... إذا ظلمتْ يوماً وإن كان لي عذرُ
مخافةُ أني قد علمتُ لئن بَدا ... لي الهجرُ منها ما على هجرها صبرُ
وإني لا أردي إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر
وأما قول الشاعر:
يودُّ بأن يُمْسِي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعتْ عنه بشكوَى تراسلهُ
ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العلَى ... لتحمدَ يوماً عند ليلَى شمائلهُ
فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، وأدنى
فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا اعتقاده، إذ كان الشعر إنما
هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر.
ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي:
بان الخليطُ وفرقَ الشملُ ... وعلى التفرقِ ما بدَا الوصلُ
أبكاكَ منهم ما فرحتَ به ... ولكلِّ مولدِ فرحةٍ ثكلُ
ومن هذه الأبيات:
ممسودةٌ خلِقت فعليتهَا ... خوطٌ ومعقدُ مرطهَا عبلُ
تضعُ البريمَ فيستديرُ على ... فعمٍ ألفَّ كأنَّه رملُ
يسجَى إذا ما قلتُ أخفضهُ ... ويمورُ منكشطاً إذا يعلُو
وقيامهَا حسنٌ وضحكتهَا ... عند العجيبِ تبسمٌ رتلُ
وغَلا بها عظمٌ فألحقهَا ... بنسائهَا ولداتَها بسلُ
ولأبي صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات النساء:
أراد الشيبُ منِّي ختلَ نفسِي ... لأنسَى ذكرَ رباتِ الحجالِ
إذا اختصمَ الصبَا والشيبُ عندِي ... فأفلجتُ الشبابَ فلا أبالِي
فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له فهم وعنده نظر وفحص.
وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالاً لغيرها، واعتباراً فيما لم نذكره منها.
المعاني الشعرية
فأما ما يعم جميع المعاني الشعرية، فالآن حين نبتدئ بذكر ذلك وتعديده.
فمن ذلك
صحة التقسيم.
صحة التقسيم
وهي أن يبتدئ الشاعر فيضع أقساماً فيستوفيها، ولا يغادر قسماً منها.
مثال ذلك قول نصيب، يريد أن يأتي بأقسام جواب المجيب عن الاستخبار:
فقالَ فريقُ القوْم: لا، وفريقُهُمْ: ... نعمْ، وفريقٌ قالَ: ويحكَ ما ندرِي
فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب، إذا سئل عنه، غير هذه الأقسام، ومثال في ذلك أيضاً قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار، وشدة وهصه الأرض.
متى ما تقعْ أرساغهُ مطمئنةَ ... على حجرٍ يرفضِّ أو يتدحرجِ
فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يوجد الذي يوطأ، رخواً فيرض، أو صلباً فيدفع.
ومثال ذلك أيضاً قول الأسعر بن حمران الجعفي يصف فرساً على هيئته من جميع جهاته:
أمَّا إذَا استقبلتهُ فكأنهُ ... بازٌ يكفكفُ أن يطيرَ وقد رأَى
أمَّا إذا استدبرتَهُ فتسوقهُ ... ساقٌ قموصُ الوقعِ عاريةُ النسَا
أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا
فلم يدع هذا الشاعر قسماً من أقسام النصبة التي ترى في الفرس، إذا رئي عليها، إلا أتى به، وقد يجوز ان يظن ظان في قولنا: إن هذا الشاعر قد أتى بجميع الأقسام: ليس بحق، إنه إذا كان الفرس أحد الأجسام، وكل جسم فله ست جهات،
فإذا ذكرت حال أربع منها بقيت جهتان لم تذكرا، وحل هذا الشاك، إن وقع من أحد، هو أن هذا الشاعر إنما وصف فرساً لا جسماً
مطلقاً، وللفرس أحوال يمتنع بها من أن ينتصب كل نصبة، ومع ذلك فإن هذا الشاعر إنما وصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط الأرض، وكان الرجل قائماً أو قاعداً، إذ كانت هذه الحال هي التي يرى الإنسان عليها الخيل في أكثر
الأمر، فأما مثل أن يكون الإنسان في علية فيرى من الفرس متنه فقط، أو أن يكون نائماً فيرى بطنه فقط، فما أبعد ما يقع ذلك، ولم يقصده الشاعر ولا له وجه في أن يقصده، إذ كان ليس في ما يعرف ويعهد من النظر إلى الخيل
إلا ما ذكره، وهو أن تستقبل أو تستدبر أو تستعرض من أحد الجانبين.
ومثال في هذا الباب أيضاً قول أبي زبيد الطائي:
يا أسمَ صبْراً على ما كَان من حدَث ... إن الحوادثَ ملقىٌّ ومنتظرُ
فليس في الحوادث إلا أن تكون قد لقيت، أو ينتظر لقيها. ومن أنواع المعاني وأجناسها أيضاً
صحة المقابلات.
صحة المقابلات
وهي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشرط شروطاً، ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بأضداد ذلك، كما
قال بعضهم:
فواعَجباً كيف اتفقْنا فناصحٌ ... وفيٌّ، ومطويٌّ على الغلّ غادرُ
فقد أتى بإزاء كل ما وصفه من نفسه بما يضاده على الحقيقة ممن عاتبه، حيث قال بإزاء ناصح: مطوى على الغل وبإزاء وفي: غادر.
ومثل قول الآخر:
تقاصرنَ واحلولين لي ثمَّ إنهُ ... أتتْ بعدُ أيامٌ طوالٌ أمرتِ
فقابل القصر والحلاوة: بالطول والمرارة.
ومثله قول الآخر:
وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئبْ ... وإذا حديثٌ سرني لم آشرِ
فقد جعل بإزاء سرني: ساءني، وبإزاء الاكتئاب: الأشر، وهذه المعاني في غاية صحة التقابل، ومثل قول عقيل بن حجاج:
تستنُّ في حيثُ لمْ تبعدْ مصعدةً ... ولمْ تصوبْ إلى أدنَى مهاويها
فجعل بإزاء قوله: تبعد مصعدة: أدنى مهاويها، ولو جعل بإزاء الإبعاد في الصعود:
الهوى، من غير أن يقول: أدنى المهاوي لكانت المقابلة ناقصة، لكن لما قال: تبعد قال: أدنى، ولو لم يقل: تبعد لقنع منه بأن يقول: تهوى فقط، من غير أن يأتي بالدنو.
وللطرماح بن حكيم:
أسرناهمْ وأنعمنَا عليهمْ ... وأسقيْنا دماءهمُ الترابَا
فما صبرُوا لبأسٍ عندَ حربٍ ... ولا أدوْا لحسنِ يدٍ ثوابَا
فجعل بإزاء أن أسقوا دماءهم التراب وقاتلوهم: أن يصبروا، وبإزاء أن أنعموا عليهم: أن يثيبوا، ولآخر:
جَزى الله عنَّا ذاتَ بعلٍ تصدقتْ ... على عزبٍ حتَّى يكونَ له أهلُ
فإنَّا سنجزيَها كما فعلتْ بنَا ... إذا ما تزوجنا وليسَ لها بعلُ
فقد أجاد هذا الشاعر، حيث وضع مقابل أن تكون المرأة ذات بعل، وهو لا زوج له: أن يكون ذا زوج في وقت عزب المرأة، وقابل حاجته وهو عزب: بحاجتها وهي عزبة، من غير أن يغادر شرطاً، ولا أن يزيد شيئاً.
ومن أنواع المعاني
صحة التفسير.
صحة التفسير
وهي أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد أو ينقص، مثل قول الفرزدق:
لقدْ خنتُ قوْماً لو لجأتَ إليهمُ ... طريدَ دمٍ أو حامِلاً ثقلَ مغرمِ
فلما كان هذا البيت محتاجاً إلى تفسير، قال:
لألفيتَ فيهمْ مطعِماً ومطاعِناً ... وراءَك شزْراً بالوشيجِ المقومِ
ففسر قوله: حاملاً ثقل مغرم: بأنه يلقى فيهم من يعطيه، وفسر قوله: طريد دم بقوله: إنه يلقي من يطاعن دونه ويحميه ومثل قول الحسين بن مطير الأسدي:
فلهُ بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحكٌ يراوحُ بينهُ وبكاءُ
ففسر بلا حزن: ببكاء ولا بمسرة: بضحك، وقال صالح ابن جناح اللخمي:
لئن كنتُ مُحتاجاً إلى الحلمِ إنَّني ... إلى الجهلِ في بعض الأحايينِ أحوجُ
وفسر ذلك بأن قال:
ولي فرسٌ للحلمِ بالحلمِ ملجمٌ ... ولي فرسٌ للجهلِ بالجهْل مسرجُ
فلم يزد المعنى ولا نقص منه، ثم فسر البيت الثاني أيضاً، فقال:
فمنْ رام تقويمي فإنِّي مقومٌ ... ومن رام تعويجي فإنِّي معوجُ
وقال سهل بن هارون:
فواحسرتَا حتَّى متى القلبُ موجعٌ ... بفقدِ حبيبٍ أو تعذرِ إفضالِ
وفسر ذلك فقال:
فراقُ خليلٍ مثله يورثُ الأسَى ... وخلةُ حرٍّ لا يقومُ بها مالِي
أنواع نعوت المعاني
ومن أنواع نعوت المعاني
التتميم:
التتميم
وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل معها جودته شيئاً إلا أتى به.
مثل قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجالٌ إذا لم يقبلِ الحقُّ منهمُ ... ويعطوهُ عاذُوا بالسيوفِ القواطعِ
فإنما تمت جودة المعنى بقوله: ويعطوه، وإلا كان المعنى منقوص الصحة، ومثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:
بها نلنَا القرائبَ من سوَانا ... وأحرزنَا القرائبَ أن تنالا
فالذي أكمل جودة هذا البيت قوله: وأحرزنا القرائب أن تنالا، مع أنهم القرائب من سواهم.
ومثله قول طرفة:
فسقَى دياركِ غيرَ مفسدِهَا ... صوبُ الربيع وديمةٌ تهمِى
فقوله: غير مفسدها، إتمام لجودة ما قاله، لأنه لو لم يقل: غير مفسدها، لعيب، كما عيب ذو الرمة في قوله:
ألا يا اسْلَمِى يا دارَ ميٍّ عَلَى البلَى ... ولا زالَ منهلاً بجرعائكِ القطرُ
فإن الذي عابه في هذا القول، إنما هو بأن نسب قوله هذا إلى أن فيه إفساداً للدار التي دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر.
ومثل قول مضرس بن ربعي:
والمانعونَ إذا كانتْ ممانعةٌ ... والعائذونَ بحسناهمْ إذا قدرُوا
ومثل قول عبيد الراعي:
لا خيرَ في طولِ الإقامةِ للفتَى ... إلا إذا ما لمْ يجدْ متحولا
ومثله قول كعب بن سعد الغنوي:
حليمٌ إذا ما الحلمُ زينَ أهلهُ ... مع الحلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ
ومثل قول الأسود بن يعفر:
ألا منَ لامنِي إلاَّ صديقٌ ... فلاقى صاحِباً كأبي زيادِ
ومثل قول حسان بن ثابت:
لم تفتهَا شمسُ النهار بشيءٍ ... غيرَ أن الشبابَ ليسَ يدومُ
ومثل قول أعشى باهلة:
لا يصعبُ الأمرُ إلا ريثَ بركبهُ ... وكلّ أمرٍ سوَى الفحشاءِ يأتمرُ
ومثل قول النمر بن تولب:
لقدْ أصبحَ البيضُ الغوانِي كأنمَا ... يربنَ إذا ما كنتَ فيهنَّ أجربَا
وكنتُ إذا لا قيتهنَّ ببلدةٍ ... يقلنَ على النكراءِ أهلاً ومرحبَا
فقوله: على النكراء، أتم جودة المعنى، وإلا فلو كانت بينهم معرفة، لم ينكر أن يقلن له أهلاً ومرحباً.
وقول الآخر:
وهلْ علمتِ بيتنا إلا ولَهْ
شربةٌ من غيرهِ وأكلهْ.
ومن أنواع نعوت المعاني
المبالغة:
المبالغة