وهي أن يذكر الشاعر حالاً من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد له، وذلك مثل قول عمير بن الأيهم التغلبي:
ونكرمُ جارنَا ما دامَ فينَا ... ونتبعهُ الكرامةَ حيثُ مالا
فإكرامهم للجار، ما دام فيهم، من الأخلاق الجميلة الموصوفة، وإتباعهم إياه الكرامة، حيث كان، من المبالغة في الجميل.
ومثل ذلك قول الحكم الخضري:
وأقبحَ من قردٍ وأبخلَ بالقِرَى ... من الكلبِ وهو غرثانُ أعجفُ
فقد كان يجزئ في الذم أن يكون هذا المهجو أبخل من الكلب، ومن المبالغة في هجائه قوله: وهو غرثان أعجف.
ومن هذا الجنس لدريد بن الصمة:
متَى ما تدعُ قومكَ أدعُ قومِي ... فيأتي من بني جشمٍ فئامُ
فوارسُ بهمةٌ حشدٌ إذا ما ... بدا حضرُ الحييةِ والخذامُ
والمبالغة الشدية في هذا الشعر هي في قوله: الحيية.
ومنه للحكم الخضري أيضاً:
فكنْ يا جارهمْ في خيرِ دارٍ ... فلا ظلمٌ عليكَ ولا جفاءُ
فقوله: فلا ظلم عليك ولا جفاء: توكيد ومبالغة.
ومنه قول رؤاس بن تميم، أحد الغطاريف الأزدي:
وإنَّا لنعطِي النصفَّ منَّا وإننَا ... لنأخذهُ من كلِّ أبلخَ ظالمِ
فالتوكيد في قوله: وإننا لنأخذه من كل أبلخ ظالم، فهذه مبالغة مضاعفة مكررة.
ومنه قول مضرس:
بهمْ تمترَي الحربُ العوانُ وفيهمُ ... تؤدَّي القروضُ حلوهَا ومريرهَا
فقوله: ومريرها: مبالغة.
وكذلك قوله أوس بن غلفاء الهجيمي:
وهمْ تركوكَ أسلحَ من حبارَى ... رأتْ صقْراً، وأشردَ من نعامِ
ففي قوله: رأت صقراً: مبالغة.
ومن نعوت المعاني
التكافؤ.
التكافؤ
وهو أن يصف الشاعر شيئاً أو يذمه، أو يتكلم فيه بمعنى ما، أي معنى كان، فيأتي بمعنين متكافئين، والذي أريد بقولي: متكافئين، في هذا الموضع: متقاومان، إما من
جهة المضادة أو السلب والإيجاب أو غيرها من أقسام التقابل، مثل قول أبي الشغب العبسي:
حلوُ الشمائِل، وهوَ مرٌّ باسلٌ ... يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ
فقوله: حلو ومر: تكافؤ.
ومثل قول أم الضحاك المحاربية:
كيفَ يسامِي خالداً أو ينالهُ ... خميصٌ من التقوى بطينٌ من الخمرِ
فقولها: خميص وبطين: تكافؤ، ومثل قول طرفة:
بطيءٍ عن الجلَّى سريعٍ إلى الخنَا ... ذليلٍ بأجماعِ الرجالِ ملهدِ
فقوله: سريع وبطيء: تكافؤ، ومثل قول زهير:
حلماءُ في النادِي إذا ما جئتهمْ ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
فقوله: حلماء وجهلاء: تكافؤ، ومثل قول حميد بن ثور الهلالي:
فلمْ أرَ محزوناً له مثلُ صوتهَا ... ولا عربياً شاقهُ صوتُ أعجمَا
فقوله: عربي وأعجم: تكافؤ، ومثل قول الآخر:
بطاءٌ عن الفحشاءِ لا يحضرونَهَا ... سراعٌ إلى داعِي الصباحِ المثوبِ
ومثل قول العباس بن مرداس:
مطهَّماً خلقهُ شثْناً سنابكهُ ... صعْلاً على أن في الجنبينِ إجفارَا
فجعل: صعلاً مكافئاً لمجفر، ومثل قول الفرزدق:
فتَى السنِّ كهلُ الحلْم قد عرفتْ لهُ ... قبائلُ ما بينَ الدنا وإيادِ
فقوله: فتى: مكافأة لقوله: كهل، وقال الفرزدق أيضاً:
لعمرِي لئنْ قلَّ الحصَى في رجالكُم ... بني نهشلٍ ما لؤمكمْ بقليلِ
فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب، ومنه قول خولة بنت عيينة بن مرداس، هو ابن فسوة الشاعر:
يحكُّ بحامِي أيرهِ باردَ استهَا ... كما استولجتْ ظمياءُ أيرَ ابن غالبِ
فكافأت بقولها حامي كذا وبارد كذا.
ومن هذه الجهة استجاد الناس قول دعبل، حين روي عنه أنه قال: أن ابن قولي:
لا تعجبِي يا سلمَ منْ رجلٍ ... ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكَى
لأن ضحك وبكى: مكافأة.
وقد أتى المحدثون من التكافؤ بأشياء كثيرة، وذلك أنه بطباع أهل التحصيل والروية في الشعر، والتطلب لتجنيسه، أولى منه بطباع القائلين
على الهاجس بحسب ما يسنح من الخاطر، مثل الأعراب ومن جرى مجراهم، على أن أولئك بطباعهم قد أتوا بكثير منه، وقد قدمنا بعضه.
ومما للمحدثين في ذلك، قول بشار:
إذا أيقظتكَ حروبُ العدَى ... فنبهْ لها عمَراً ثمَّ نَمْ
فنبه ونم: تكافؤ، وله أثر في تجويد الشعر قوي، فإنه لو قال مثلا: فجرد لها عمراً، لم يكن لهذه اللفظة من الموقع مع من ما لنبه.
الالتفاف:
ومن نعوت المعاني الالتفاف - وبعض الناس يسميه الاستدراك - وهو ا، يكون الشاعر آخذاً في معنى، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن راداً يرد عليه قوله، أو سلائلاً يسأله عن سببه، فيعود راجعاً على ما قدمه، فإما أن يؤكده أو يذكر سببه
أو يحل الشك فيه، مثال ذلك قول المعطل، أحد بني رهم من هذيل:
تبينُ صلاةُ الحرب منا ومنهمُ ... إذا ما لتقينا والمسالمُ بادنُ
فقوله: والمسالم بادن: رجوع على المعنى الذي قدمه حين بين ان علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم يكون بادناً والمحارب ضامراً، وقول الرماح بن ميادة:
فلا صرمُة يبدُو، وفي اليأسِ راحةٌ ... ولا وصلُه يصفُو لنا فنكارِمُهْ
فكأنه بقوله: وفي اليأس راحة: التفت إلى المعنى، لتقديره أن معارضاً يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة.
ومن هذا الجنس قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأجمِلْ إذا ما كنتَ لا بُدَّ مانِعاً ... وقد يَمْنَعُ الشيءَ الفتَى وهو مجملُ.
ومنه قول امرئ القيس:
يا هَلْ أتاكَ وقد يُحَدِّثُ ذوُ ... الودِّ القديم مسمةَ الدَّخْل
فكأنه لما قال: أتاك، وكان المعنى مسراً غير مظهر، توهم أن المخاطب يقول له: كيف يبلغني؟ فقال: وقد يحدث ذو الود القديم مسمة الدخل، وقول طرفة:
وتصدُّ عنك مخيلةَ الرجلِ ال ... مشنوفِ موضحةٌ عن العظمِ
بحسامِ سيفكِ أو لسانكَ، وال ... كلمُ الأصيلُ كأرغبِ الكَلِم
فكأنه لما بلغ بعد حسامك إلى لسانك قدر أن معترضاً يعترضه، فيقول: كيف يكون مجرى السيف واللسان واحداً؟ فقال: والكلم الأصيل كأشد الجراح وأكثرها اتساعاً.
ومنه قول جدير بن ربعان:
معازيلُ في الهيجاءِ ليسُوا بذادَةٍ ... مجازيعُ عندَ اليأسِ، والحرُّ يصبِر
ففي قوله: والحر يصبر: التفات إلى أول كلامه.
الاستغراب والطرفة:
وقد يضع الناس في باب أوصاف المعاني: الاستغراب والطرفة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان.
وليس عندي أن هذا داخل في الأوصاف، لأن المعنى المستجاد إنما يكون مستجاداً إذا كان في ذاته جيداً، فإما أن يقال له: جيد، إذا قاله شاعر من غير أن يكون تقدمه من قال مثله، فهذا غير مستقيم، بل يقال لما جرى هذا المجرى: طريف وغريب،
إذا كان فرداً قليلاً، فإذا كثر لم يسم بذلك.
وغريب وطريف، هما شيء آخر غير حسن أو جيد، لأنه قد يجوز أن يكون حسن جيد: غير طريف ولا غريب، وطريف غريب: غير حسن ولا جيد، فأما حسن جيد غير غريب ولا طريف، فمثل تشبيههم الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، فإنه ليس يزيل جودة
هذا التشبيه تعاور الشعراء إياه قديماً أو حديثاً، وأما غريب وطريف لم يسبق إليه، وهو قبيح بارد، فملء الدنيا، مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها.
والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه لا إلى الشعر، غذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسناً سبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحاً الغفلة عن الابتداء بها، وأحسب أنه اختلط على
كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر، فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعماً، علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه، لا الشعر.
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى:
ولنتبع ذكر المعاني، وهو القسم الرابع من أقسام الشعر المفردات: ذكر الأربعة المركبات، التي قدمنا القول فيها في أول الكتاب، ولنبدأ بأولها وهو:
نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى.
ومن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى المساواة.
المساواة:
وهو أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى، حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذه هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلاً فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر، وذلك مثل قول امرئ القيس:
فإن تكتمُوا الداءَ لا نخفهِ ... وإن تبعَثُوا الحربَ لا نقعدِ
وإن تقتلونَا تقتلكمُ ... وإن تقصدُوا لدمٍ نقصدِ
وأعددتُ للحربَ وثابةً ... جوادَ المحثةِ والمردودِ
ومثل قول زهير:
ومهمَا تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإن خالهَا تخفَى على الناسِ تعلمِ
ومثل قوله:
إذا أنتَ لم تقصرْ عن الجهلِ والخنَا ... أصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ
ومثل قوله:
سعَى بعدهمْ قومٌ لكي يدركوهمُ ... فلم يدركُوا ولم يليمُوا ولم يألُوا
ومثل قول طرفة:
لعمركَ إن الموتَ ما أخطأَ الفتَى ... لكالطولِ المرخَى وثنياهُ باليدِ
ستبدِى لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تزودِ
ومثله قول خالد بن زهير ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي:
فلا تجزعنْ من سنَّةٍ أنتَ سرتَها ... فأولُ راضٍ سنة من يسيرُها
ومثل قول ليلى الأخيلية:
فلا يبعدنكَ الله يا توبَ إنّما ... لقاءُ المنايَا دارِعاً مثل حاسرِ
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإشارة:
الإشارة:
وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل
علياه، كما قال بعضهم، وقد وصف البلاغة، فقال: هي لمحة دالة، وذلك مثل امرئ القيس:
فإنْ تهلكْ شنوءةُ أو تبدلْ ... فسيري إن في غسانَ خَالا
بعزهمُ عززتِ وإن يذلُّوا ... فذلهمُ أنالكِ ما أنالا
فبنية هذا الشعر على أن ألفاظه، مع قصرها، قد أشير بها إلى معان طوال، فمن ذلك قوله: تهلك أو تبدل، ومنه قوله: إن في غسان خالا، ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح طويل، وهو قوله: أنالك ما أنالا. ومثل قول طرفة:
موضوعها زول ومرفوعها ... كمر غيث لجب وسط ريح
فقوله زول: مشار به إلى معان كثيرة، وهو شبيه بما يقول الناس في إجمال نعت الشيء واختصاره: عجب، ومثل قول إسماعيل ابن يسار النساء:
هاج ذا القلب من تذكر جمل ... ما يهيج المتيم المحزونا
فقد أشار هذا الشاعر بوله: ما يهيج المتيم المحزونا، إلى معان كثيرة. ومثل قول امرئ القيس:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان
فقد جمع بقوله: أفانين جري، على ما لو عد لكان كثيراً، وضم إلى ذلك أيضاً جميع أوصاف الجودة في هذا الفرس، وهو قوله: قبل سؤاله، أي يذهب في هذه الأفانين طوعاً ن غير حث، وفي قوله: قوله: غير كز ولا وان، ينفي عنه أن يكون
معه الكزازة من قبل الجماح والمنازغة، والونى من قبل الاسترخاء والفترة.
ومثل قولا امرئ القيس أيضاً يصف ذئباً:
فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدفق
وجاء خفياً يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لازقاً كل ملزق
ففي هذا الشعر إجمال للمعاني كثير، وأوكد ما فيه من ذلك قوله: لازقاً كل ملزق. ومثل قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء
ومثل قول أوس بن حجر:
فإن يهو أقوام ردائي فإنني ... يقيني الإله ما وقى وأصادف
ومثل قول قتادة بن طارق المازني من الأزد:
اهاجك ربع قد تحمل حاضره وأوحش بعد الحي منه مناظرهيقول: ما تنظر إلى موضع منه إلا ذكرت فيه من الأنس بمن كان يحله منا قد أوحش في هذا الوقت بخلوه منه، وللعامرية:
كيف الفخار وقد كانوا لنسوتكم ... يوم النسار، بنو ذبيان، أربابا
إذ جز ناصيتي حصن وأعتقني ... وذاك شيب مني اليوم ما شابا
ولامرئ القيس:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل تحسه متغيب
ولامرأة من عكل:
يا ابن الدعى إنها عكل فقف
لتعلمن اليوم إن لم تنصرف
أن الكريم واللئيم مختلف
ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإرداف:
الإرداف:
وهو أن يريد الشعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع به، فإذا دل على التابع أبان عن المنبوع، بمنزلة قول ابن أبي ربيعة:
بعية مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم