ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 11 من 15

كتاب نقد الشعر

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 11 من 151,796 كلمة في هذا الجزء

وإنما أراد هذا الشاعر أ، يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط.

ومثل قول امرئ القيس:

ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها، فقال: نؤرم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، أي

هي لا تنتطق لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة، ومعنى عن في هذا البيت معنى: من بعد. وكذلك قوله:

وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل

فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يبعها أن تكون الأوابد، وهي الوحوش، كالمقيدة له إذا نحا في طلبها.

والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة، فيقولون: هو اول من قيد الأوابد، وإنما غزا بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة حضره، فلو قال ذلك بلفظه لم يكن الناس من الاستجادة لقوله مثلهم عند إتيانه بالردف له.

وفي هذا برهان على أن وضعنا الإرداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب.

ومنه قول ليلى الأخيلية:

ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما

فإنما أرادت وصفه بالجود والكرم، فجاءت بالأرداف والتوابع لهما، أما ما يتبع الجود، فإن تخرق قميص هذا المنعوت فسر أن العفاة تجذبه فتخرق قميصه من مواصلة جذبهم إياه، وأما ما يتبع الكرم فالحياء الشديد الذي كأنه من إماتته نفس هذا الموصوف وإزالته عنه الأشر يخال

سقيما.

ومنه أيضاً قول الحكم الخضري:

قد كان يعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي

فأراد وصف الكبر والسن، فلم يأت باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي السعال والتنحنح.

أبيات المعاني: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات معان. وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف له غير ظاهر، أو كانت بينه وبينه أرداف أخر، كأنها وسائط، وكثرت حتى لا يظهر الشيء المطلوب بسرعة، وهذا الباب إذا

غمض، لم يكن داخلاً في جملة ما ينسب إلى جيد الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق في اللفظ وتعذر العلم بمعناه.

التمثيل:

وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر، وذلك

المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه.

مثال ذلك قول الرماح بن ميادة:

ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا

ولو أنني أذنبت ما كنت هالكاً ... على خصلة من صالحات خصالكا

فعدل عن أن يقول في البيت الأول: إنه كان عنده مقدماً، فلا يؤخره، أو مقربا، فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى يديه، فلا يجعله في اليسرى، ذهاباً نحو الامر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ومعنى يجريان مجرى المثل

له، وقصد الإغراب في الدلالة والابداع في المقالة، وكذلك قول عمير بن الأيهم:

راح القطين من الثغراء أو بكروا ... وصدقوا من نهار الأمس ما ذكروا

قالوا لنا وعرفنا بعض بينهم ... قولاً فما وردوا عنه وما صدروا

فقد كان يستغنى عن قوله: فما وردوا عنه ولا صدروا، بأن يقو: فما تعدوه، أو فما تجاوزوه، ولكن لم يكن له من موقع الإيضاح وغرابة المثل ما لقوله: فما وردوا عنه ولاصدروا.

ومن هذا قول بعض بني كلاب:

دع الشر واحلل بالنحاة تعزلا ... إذا هو لم يصبغك في الشر صابغ

ولكن إذا ما الشر ثار دفينه ... عليك فأنضج دبغ ما أنت دابغ

فأكثر اللفظ والمعنى في هذين البيتين جار على سبيل التمثيل، وقد كان يجوز أن يقال مكان ما قيل فيه: دع الشر ما لم تنشب فيه، فإذا نشبت فيه فبالغ، ولكن لم يكن لذلك من الحظ في الكلام الشعري والتمثيل الظريف ما لقول الكلابي، ومن هذا

قول الآخر:

تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق

جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق

وفي قوله: جعلت يدي وشاحاً له، إشارة بعيدة لغير لفظ الاعتناق وهي دالة عليه.

ومنه قول يزيد بن مالك الغامدي:

فإن ضجوا منا زأرنا فلم يكن ... شبيهاً بزأر الأسد ضبح الثعالب

فقد أشار إلى قوتهم وضعف أعدائهم إشارة مستغربة، لها من الموقع بالتمثيل ما لم يكن لو ذكر الشيء المشار إليع بلفظه، ومثل ذلك قول عبد الرحمن بن علي بن علقمة بن عبدة:

أوردتهم وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور

فقد اشار إلى الفجر إشارة بعيدة ظريفة بغير لفظه.

وكذلك قول اللعين المنقري، يصف ناره:

رأى أم نيران عواناً تكفها ... بأعرافها هوج الرياح الطرائد

فقد أومأ بقوله: أم نيران: إلى قدمها، وبعوان: إلى كثرة عادته لإيقادها، إيماء غريباً ظريفاً، وإن كانت العرب تقول ذلك في النار كثيراً.

وقال بعض العرب:

فتى صدمته الكأس حتى كأنما ... به فالج من دائها فهو يرعش

والكأس لا تصدم، ولكنه أشار بهذا التمثيل إشارة حسنة إلى سكره.

وقال العباس بن مرداس:

كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والبيض يومئذ عليهم أشمس

يريد أن البيض عليهم قد صارت شموساً.

المطابق والمجانس:

وقد يضع الناس من صفات الشعر: المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ائتلاف اللفظ والمعنى، ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة.

المطابق:

فأما المطابق فهو ما يشترك في لفظة واحدة بعينها، مثل قول زياد الأعجم:

ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام

وقال الأفوه الأودي:

وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس

فلفظة: الهوجل في هذا الشعر واحدة قد اشتركت في معنيين، لأن الأولى يراد بها الأرض، والثانية الناقة، وكذلك قول أبي دؤاد الإيادي:

عهدت لها منزلاً دائراً ... وآلا على الماء يحملن آلا

فالآل الأول في المعنى غير الثاني، لأن الأول أعمدة الخيام، والثاني من السراب.

المجانس:

وأما المجانس؛ فأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة الاشتقاق، مثل قول أوس بن حجر:

لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور

ومثل قول زهير:

كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم

ومثل قول العوام في يوم العظالي:

وفاض أسيراً هانئ وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عندما

ومثل قول حيان بن ربيعة الطائي:

لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد

ومثل قول الفرزدق:

خفاف أخف الله منه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب

ومثل قول الكميت:

فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرحل

ومثل قول مسكين الدارمي:

وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا

وكما قال النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:

ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم

وقال ذو الرمة:

كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح

وقال رجل من بني عبس:

وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا

وقال المرار:

وأعظمني أن أرى زائراً ... وأختلف الحي يوماً خلوفا

نعت ائتلاف اللفظ والوزن:

وهو ان تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر

الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها، وهي الأقوال، على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى

يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف مقدماً والصفة مقولة عليها، وغير ذلك مما لو ذهبنا إلى شرحه لاحتجنا إلى إثبات كثير من صناعتي المنطق والنحو في هذا الكتاب، فكان يصعب النظر فيه على أكثر الناس، ولكن في ما أجملته في هذا القول، وأشرت إليه من

التنبيه على الطريق التي يعرف بها جودة هذا الباب ما كفى وأغنى عند ذوي القرائح السليمة، ومن قد تعلق ببعض الآداب السهلة.

ومن هذا الباب أيضاً ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في الشعر محتاجاً إليه، حتى أنه إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه، أو إسقاط معنى لا يتم الغرض المقصود إلا به، حتى أن فقده قد آثر في الشعر تأثيراً بان موقعه.

ولمآت في هذا الباب بأمثلة، لأن كل شعر سليم مما ذكرت فهو مثال لذلك، فأما الأشعار التي لم تسلم منه، فأنا أذكرها في باب عيوب الشعر إن شاء الله تعالى.

نعت ائتلاف المعنى والوزن:

أن تكون المعاني تامة مستوفاة، لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب، ولا إلى الزيادة فيها عليه، وأن تكون المعاني أيضاً مواجهة للغرض لم تمتنع من ذلك ولم تعدل عنه من اجل إقامة الوزن والطلب لصحته، والسبب في تركنا أن نأتي لهذا الجنس بأمثلة من

الشعر هو السبب في تركنا ذلك في باب ائتلاف اللفظ مع الوزن، ونحن نذكر ما يجب ذكره من أمثلة عيوب هذا الباب في جملة ما سنذكره من عيوب الشعر.

نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت:

أن تكون القافية معلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملائمة لما مر فيه.

فمن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر

البيت:

التوشيح.

التوشيح

وهو أن يكون أول البيت شاهداً بقافيته، ومعناها متعلقاً به، حتى أن الذي يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له قافيته، مثال ذلك قول الراعي:

وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا

فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت، وقد تقدمت عنده قافية القصيدة، استخرج لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله: وزن الحصى، سيأتي بعده: رزين، لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توجيه، والأخرى أن نظام المعنى يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى يلزمه أني قول في حصاه إنه

رزين.

وقول العباس بن مرداس:

هم سودوا هجناً وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها

فمن تأمل هذا البيت، وجد أوله يشهد بقافيته، وقول نصيب:

وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين

وقول مضرس بن ربعي:

تمنيت أن ألقى سليماً ومالكاً ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا

ومن أنواع ائتلاف القافية مع سائر البيت: الإيغال.

الإيغال:

وهو ا، يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعراً، غليها، فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره في البيت، كما قال امرؤ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب

فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملاً قبل القافية، وذلك أن عيون الوحش شبيهة بالجزع، ثم لما جاء بالقافية أوغل بها في وصف ووكده، وهو قوله: الذي لم يثقب، فإن عيون الوحش غير مثقبة، وهي بالجزع الذي لم يثقب أدخل في التشبيه، وقال زهير:

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم

فالعهن: هو الصوف الأحمر، والفنا: حب تنبته الأرض أحمر، فقد أتى على الوصف

قبل القافية، لكن حب الفنا إذا كسر كان مكسره غير أحمر، فاستظهر في القافية لما أن جاء بها، بأن قال: لم يحطم، فكأنه وكد التشبيه بإبغاله في المعنى، قال امرؤ القيس:

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب

فقد تم أوصف والتشبيه قبل القافية، لأنه يكفي أن يشبه حفيف جري الفرس بالريح، فلما أتى بالقافية، أوغل إيغالاً زاد به في المعنى، وذلك أن الأثاب شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف شديد.

حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيراً، أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى.

قال: قلت: نحو من.

قال: نحو ذي الرمة، حيث يقول:

قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل

فتم كلامه قبل المسلسل، ثم قال: المسلسل، فزاد شيئاً. ثم قال:

أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل

فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: المفصل، فزاد شيئاً.

قال: قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى، حيث قال:

كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

فتم مثله إلى قوله: قرنه، فلما احتاج إلى القافية، قال الوعل، فزاد معنى.