فهذا المشبه نما شبه صوت الجرع بصوت المطر على الخباء الذي من أدم، ومن جودته أنه لما كانت الأصوات تختلف، وكان اختلافها إنما هو بحسب الأجسام التي تحدث الأصوات اصطكاكها، فليس يدفع أ، اللبن وعصب المرئ اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت الجرع قريب الشبه من
الأديم الموتر والماء اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت المطر.
وعند سلوك هذه السبيل في تعرف جودة التشبيه يستجاد قول جبهاء الأشجعي في تشبيه صوت حلب عنز بصوت الكير إذا نفخ:
كأنَّ أجيجَ الكيرِ إرزامُ شخبها ... إذا امتاحهَا في محلبِ الحيِّ مائحُ
وقد قال أوس بن حجر يشبه ارتفاع أصواتهم في الحرب تارة، وهمودها وانقطاعها تارة، بصوت التي تجاهد أمر الولادة:
لنا صرخةٌ ثم إسكاتةٌ ... كما طرقتْ بنفاسٍ بكرْ
ولم يرد المشتبه في هذا الموضع نفس الصوت، وإنما أراد حاله في أزمان مقاطع الصرخات، وإذا نظر في ذلك وجد السبب الذي وفق بين الصوتين واحداً، وهو مجاهدة المشقة والاستعانة على الألم بالتمديد في الصرخة.
ومن جيد التشبيه قول الشماخ يذكر لواذ الثعلب من العقاب:
تلوذُ ثعالبُ الشرفينِ منها ... كما لاذ الغريمُ من التبِيع
وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفاً من
مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها، والثعلب يخاف موته.
وقال الشماخ:
كأنَّ على أوراكِها من لُعابه ... وخيفةَ خطمىٍّ بماءِ مرجرجِ
فشبه لعاب الفحل إذا ظهر على أوراك الأتن عند كدمه إياها بالخطمى، وهو شبيه به في قوام الثخن وفي الرغوة وفي اللون أيضاً، وذلك أن الحمار إنما يكثر كدمه الأتن في الربيع عند خضمه الرطب وأشره في ذلك الوقت.
وقد أحسن الشماخ أيضاً في قوله حين شبه أضلاع الناقة وبرى السير إياها بالقسي الموترة:
وقربتُ مبراةً كأنَّ ضلوعَها ... من الماسخياتِ القسيِّ الموتَّرا
فقد أحسن الشماخ في هذا التشبيه من قبل اجتماع الأضلاع والقسي الموترة في الشكل والتوتر بالأعصاب والأوتار، ولم يرد إلا الشكل فقط، وقد أتى على ما فيه.
ولابن أحمر الباهلي يذكر قلب الفرس عند الحركة السريعة:
حتَّى صبحْنا طاوِياً ذا شرةٍ ... وفؤادُه زجلٌ كعزف الهدهدِ
فتواتر نبض قلب الفرس إذا تحرك قريب الشبه من تواتر حركة عزف الهدهد.
وللمرار:
لها قلاصُ نعامٍ يرتعين بها ... كأنهنَّ سبيٌّ لابسُو الهدمِ
فما أحسن ما شبه انسدال فواضل ريش النعام بانسدال الأطمار الرثة على اللابس لها، ولا سيما السبي، فإن في مشيهم أعجمية تشبه مشي النعام، وفي ألوان ثيابهم قتمة من الدرن تشبه قتمة ريش النعام، ففي الشيئين اشتراك في معان كثيرة.
وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن، فمنها: أن تجمع تشبيهات كثيرة في بيت واحد وألفاظ يسيرة، كما قال امرؤ القيس:
له أيطَلا ظبيٍ وساقاً نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانِ وتقريبُ تتفلِ
فأتى بأربعة أشياء مشبهة بأربعة أشياء، وذلك أن مخرج قوله: له أيطلا ظبي، إنما هو على أن له أيطلين كأيطلي ظبي، وكذا ساقين كساقي نعامة، وإرخاء
كإرخاء السرحان، وتقريب كتقريب التنفل.
ومنها: أن يشبه شيء بأشياء في بيت أو لفظ قصير، وذلك كما قال امرؤ القيس:
وتَعْطو برخصٍ غيرِ شثنِ كأنَّه ... أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ
ومنها: أن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تشبهه في تلك الأحوال، كما قال امرؤ القيس يصف الدرع في حال طيها:
ومشدودةَ السكِّ موضونةً ... تضاءلُ في الطيِّ كالمبردِ
ثم وصفها في حال النشر في هذه الأبيات فقال:
تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الآتيِّ على الجدجدِ
وكما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجمة عليه وبعد حلق ثور أخيه إياها:
فأصبحَ رأسِي كالصخيرةِ أشرفتْ ... علَيها عقابٌ ثم طارتُ عقابُها
فقد أحسن يزيد في هذا البيت، حيث تصرف فيه في التشبيه، وأحسن أيضاً في تشبيه رأسه بعد الحلق بالصخرة، وذلك أنه قريب منها في الضخامة والملامسة واللون المائل إلى الخضرة.
وقد قال بعضهم في مثل ذلك:
جلاميدُ أملاءُ الأكفِّ كأنَّها ... رؤوسُ رجالٍ حلقتْ في المواسمِ
وقال الحسين بن مطير الأسدي، يشبه أفعال رجل مات وكان جواداً:
فتىً عيشَ في معروفِه بعدَ موتِه ... كما كانَ بعدَ السيْل مجرَاه مرتَعا
التصرف في التشبيه
ومن أبواب التصرف في التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقاً واحداً في تشبيه شيء بشيء، فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة الشعراء.
مثال ذلك أن أكثر الشعراء يشبهون الخوذ بالبيض، كما قال سلامة بن جندل:
كأنَّ النعامَ باض فوق رؤسهمْ ... بنهيِ القذافِ أو بنهيٍ مخفقِ
وقال معقر البارقي:
كأنَّ نعامَ الدوِّ باضَ عليهمُ ... وأعينهمْ تحت الحبيك الجواحرُ
وأكثر الشعراء يلتزمون هذا التشبيه.
قال أبو شجاع أحد بني سلامان بن مفرج من الأزد:
فلم أرَ إلا الخيلَ تعدُو كأنمَا ... سنورهَا فوق الرؤوسِ الكواكبُ
وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء، والشبه بين هذين الشيئين من جهة ما، فيأتي شاعر آخر بتشبيه من جهة أخرى، فيكون ذلك تصرفاً أيضاً.
مثال ذلك أن جل الشعراء يشبهون الدرع بالغدير الذي تصفقه الرياح، كما قال أوس بن حجر:
وأملسَ صوليَّاً كنهيِ قرارَةٍ ... أحسَّ بقاعٍ نفحَ ريحٍ فأجْفَلا
وقال آخر:
وعلىَّ سابغةُ الذيولِ كأنهَا ... سوقُ الجنوب حبابَ نهيٍ مفرطِ
وكثير من الشعراء ينحون في تشبيه الدروع هذا المنحى، وإنما يذهبون إلى الشكل، وذلك ن الريح تفعل بالماء في تركيبها إياه بعضاً على بعض ما يشبهه في حال التشكيل بحال الدرع في مثل هذا الشكل، فقال سلامة بن جندل عادلاً عن تشبيه الشكل إلى تشبيه
اللين، وذلك أن اللين من دلائل جودة الدرع لصغر قتيرها وحلقها:
فألقًوا لنا أرسانً كل نجيبةٍ ... وسابغةٍ كأنهًا متن خرنق
وقال يذكر بريقها، وهو وجه غير الوجهين الأولين:
مداخلةٍ منْ نسجِ داؤدَ سكُّها ... كمنكب ضاحٍ من عمايةَ مشرقِ
ومن التشبيه الجيد للحكم الخضري يصف غليان القدر بما فيها من قطع اللحم:
كأنَّ جذولَ الناب فيها إذا غلتْ ... دعاميصُ تخشى صائِداً فتعومُ
ولقيس بن زهير:
كأنَّ خذاريفَ السواعدِ بيننا ... مغالي غواة يلعبونَ بها لعبَا
وللزفيان أحد بني عوافة بن سعد بن زيد:
وقد سقوهنَّ سجَالاً فاستقوْا ... منْ أجنٍ كأنهنَّ الزنبقُ
ثم لنتبع القول في التشبيه القول في الوصف.
نعت الوصف
أقول: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم وصفاً من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم بأظهرها فيه وأولاها، حتى يحكيه بشعره، ويمثله
للحس بنعته.
فمن ذلك قول الشماخ يصف أرضاً تسير النبالة فيها:
خلتْ غيرَ آثارِ الأراجيلِ ترتمِي ... تقعقعُ في الآباط منها وفاضهَا
فقد أتى في هذا البيت بذكر الرجالة وبين أفعالها بقوله: ترتمي، وعن الحال في مقدار سيرها بوصفه تقعقع الوفاض، إذ كان في ذلك دليل على أنه الهرولة أو نحوها من ضروب السير، ودل أيضاً على الموضع الذي حملت فيه هذه الرجالة الوفاض، وهي أوعية السهام،
حيث قال: في الآباط، فاستوعب أكثر هيئات النبالة، وأتى في صفاتها بأولاها وأظهرها عليها وحكاها، حتى كأن سامع قوله يراها.
ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي يصف حال السيل عند إقلاع السحاب وسكون المطر:
لكلِّ مسيلٍ من تهامَةَ بعد ما ... تقطعَ أقرانُ السحابِ عجيجُ
ومنه قول رجل من هذيل يصف حال القوم في الحرب عند الجلاد:
كغماغمٍ الثيرانٍ بينهمٌ ... ضربٌ تغمضٌ دونهُ الحدقُ
ومثله قول معاوية بن خليل النصري، من نصر بن قعين، يذكر نباهة حيه، وأنه أشهر من حذلم، حي آخر:
فنحن الثريَّا وعيوقهَا ... ونحنُ السماكانِ والمرزمُ
وأنتم كواكبُ مجهولةٌ ... تُرى في السماءِ ولا تعلمُ
ولدريد بن الصمة يصف آثار خيل وإبل، اطردها فنجا بها:
ألا هلْ أتاهُ ما ركبنا جيادَه ... ومَا قد عقرنَا من صفيٍّ ومن قرمِ
وأصبحنَ قد جاوزنَ أسفلَ ذي حُساً ... وآثارهَا فوقَ المضيح كالرقمِ
ولعبد الرحمن بن عبد الله، المعروف، بالقس يصف إصغاء السامعين إلى الغناء الحسن المطرب، وهو في سلامة:
إذا ما عجَّ مزهرُها إليها ... وعاجتْ نحوهُ أذنٌ كرامُ
فأصغْوا نحوهَا الأسماعَ حتَّى ... كأنهمُ وما نامُوا نيامُ
وللمرار بن منقذ أحد بلعدوية يصف، الفرس الكريم:
ذو مراحٍ فإذا وقرتهُ ... فذلولٌ حسنُ الخلقِ يسرْ
وليزيد بن مالك الغامدي يصف فعل سنابك الخيل في الأرض:
يثرنَ بسهلِ الأرضِ مما يطسنَه ... عجاجاً وبالصفاحِ نارَ الحباحبِ
ولعدي بن الرقاع العاملي يصف فعل سنابك الحمارين إذا عدوا:
يتعاورانِ من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً همَا نسجاهَا
تطوَى إذا علوَا مكاناً ناشِزاً ... وإذا السنابكُ أسهلتْ نشراهَا
ولذي الرمة:
ترىَ الخودَ يكرهنَ الرياحَ إذا جرتْ ... ومىٌّ بها لولا التحرجُ تفرحُ
إذا ضربتْها الريحُ في المرْط أشرفَت ... روادفُها وانضمَّ منها الموشحُ
ولنتبع القول في الوصف القول في النسيب.
نعت النسيب
أقول: إن كثيراً من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولاً ما النسيب، ونحنن نحده فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به معهن.
وقد يذهب على قوم أيضاً موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في
الإنسان: إنه غزل، إذا كان متشكلاً بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته
إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب.
وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون فيه من الخشن
والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض.
وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة.
وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني سلامان بن مفرج من
الأزد:
فلم تدعِ الأرواحُ والماءُ والبلَى ... من الدار إلا ما يشوقُ ويشغفُ
ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر بقوله:
معارفُ تلوى بالفؤاد وإن تقلْ ... لها بينِي لي حاجةً لم تكلمِ
فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد.
وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، فقال:
بليتُ كما يبلَى الرداءُ ولا أرَى ... جناباً ولا أكنافَ ذروةَ تخلقُ
ألوِّى حيازيميِ بهنَّ صبابةً ... كما يتلوى الحيةُ المتشرقُ
وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، حيث يقول ويذكر خفقان قلبه:
أجدَّك ما يبدو لك البرقُ مرَّة ... من الدَّهر إلا ماءُ عينيكَ يذرفُ
وقلبك من فرطِ اشتياقٍ كأنهُ ... يَدا لامعٍ أو طائرٌ يتصرفُ
ولرجل من عبس:
إذا الله أسقَى دمنتينِ ببلدةٍ ... من الأرض سقيَا رحمةٍ فسقاهُما
نزلنَا بهذِي نزلةً ثمَّ نزلةً ... بهذِي فطابَ المنزلانِ كلاهمَا
فبتُّ أشيمُ البرقَ مرتفِقاً به ... يداً عن يدٍ حتَّى ونَى منكباهُما
وقال الشماخ: