غرَّةٌ بَهْمةٌ ألا إنَّما كنْ
تُ أغرّاً أيَّامَ كنتُ بَهيما
دِقَّةٌ في الحياةِ تُدعى جلالاً
مثلَ ما سمِّيَ اللَّديغُ سَليما
وقال البحتري
عذلَتْنا في عشقِها أُمُّ عمرٍو
هلْ سمعتمْ بالعاذلِ المعشوقِ
ورأتْ لمَّةً ألمَّ بها الشَّيبُ
فرِيعتْ مِنْ ظلمةٍ في شروقِ
ولعمري لولا الأقاحِي لأبصرْ
تَ أنيقَ الرّياضِ غيرَ أنيقِ
وسوادُ العيونِ لوْ لمْ يُحسَّنْ
ببياضٍ ما كانَ بالموموقِ
أيُّ ليلٍ يبهَى بغيرِ نجومٍ
أوْ سحابٍ تندَى بغيرِ بروقِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
رأتْني خضيبَ الرَّأسِ شمَّرتُ مِئزَرِي
وقدْ عهدتْني أسودَ الرَّأسِ مُسدِلا
فقالتْ لأُخرَى عندَها تعرفينهُ
أليسَ بهِ قالتْ بلَى ما تبدَّلا
سوَى أنَّهُ قدْ لاحتِ الشَّمسُ لونهُ
وفارقَ أشياعَ الصِّبى وتنقَّلا
ولاحَ قتيرٌ في مفارقِ رأسهِ
إذا غفلتْ عنهُ الخواضبُ أنصَلا
وكانَ الشَّبابُ الغضُّ كالغيمِ خَيَّلتْ
سماوتُهُ إذ هبَّتِ الرِّيحُ فانْجَلى
وقال منصور النمري:
ما تنقَضِي حسرةٌ منِّي ولا جزعُ
إذا ذكرتُ شباباً ليسَ يرتجعُ
بانَ الشَّبابُ وفاتَنِي بِشِرَّتهِ
صروفُ دهرٍ علَى الأيَّامِ لِي تبعُ
تعجَّبتْ أنْ رأتْ أسرابَ دمعتهِ
في حليةِ الخدِّ أجراهَا حشًى وجعُ
أصبحتِ لمْ تطعَمِي كلَّ الشَّبابِ ولمْ
تشجَيْ بغصَّتهِ فالعذرُ لا يقعُ
الباب الثامن والأربعون من يئس ممن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه
الباب الثامن والأربعون مَنْ يئسَ ممَّن يهواهُ فلمْ يلتفتْ مِنْ وقتهِ سلاهُ
العلَّة في ذلك أنَّ اليأس هو مفارقة النَّفس للرَّجاء الَّتي كانت تعتاض به من حال الصّفات وتتماسك بمسامرته من سطوة الفراق الَّذي مُنيت بمشاهدته فأوَّل روعات اليأس تلقى القلب وهو غير مستعد لمقاومتها ولا مُصاب بمشاهدتها فتجرحه دفعةً واحدةً عادةً إلى غير عادةٍ والرَّوعة الثانية
ترد على القلب وقد ذلَّلته لها الرَّوعة الأوَّلة فللثانية ألم المعاودة وليس لها ألمٌ وفقد العادة والرَّوعة الأوَّلة فيها مشاهدة المكروه ومفارقة ما تعوَّدت من المحبوب فإن هي لم تُتلف وفيها مكروهان لم تتلف الثانية وليس فيها إلاَّ أحدهما وكذلك كلّ روعةٍ يجلبها الفكر والتَّذكُّر
هي أهون من الَّتي قبلها لأن المتقدّمة قدِ انذرت بها ووطَّأت المواضع لها حتَّى ينحلَّ ذلك أجمع من النَّفس حالاً بعد حالٍ لأنَّ دوام الرَّوعات إنَّما يكون بتنازع المخاوف والآمال فإذا وقع اليأس زال الخوف بوقوع المخوِّف وانقطع الأمل بذهاب المأمول.
ولعمري لقد أحسن البحتري حيث يقول:
حَنيني إلى ذاكَ القليبِ ولوعَتي
عليهِ وقلَّتْ لوعَتي وحَنيني
خلا أمَلي مِنْ يوسفِ بنِ محمَّدٍ
وأُوحشَ فكرِي بعدهُ وظنونِي
وكانتْ يدِي شلَّتْ ونفسِي تخوَّنتْ
ودُنيايَ بانتْ يومَ بانَ ودِيني
فوا أسَفي ألاَّ أكونَ شهدتهُ
فجاشتْ شمالِي عندهُ ويميني
فإذا بقيت الخواطر بغير محرك يزعجها تحللت مضاضة ذلك الألم الَّذي نزل بها ألا ترى أنَّ الحريق إذا صبَّ عليه الماء أفسد الماء موضعاً وأفسدت النار آخر..
قائمين فإذا ذهبا جميعاً بقي من تأثير النَّار يبس وحرارات ومن تأثير الماء برد ورطوبات ثمَّ تحلَّلا جميعاً على مرّ الأوقات والعلَّة في قتل روعة اليأس الأوَّلة أنَّ القلب يُحمى بورود المكاره عليه وسبيل سائر البدن أن يمدَّ القلب بمثل ما فيه من حرّ أو
برد فإذا كثر ذلك انهتك حجاب القلب فكان التَّلف حينئذ لأنَّ القلب لا يصل إليه ألم نيَّة غير الألم الفكرة إلاّ أتلف صاحبه والعامَّة تقول شهق فلان فلا تصدَّعت مرارته ولعمري إنَّ المرارة لتحمى ولو زادت حرارتها لانصدعت ولو انصدعت لأتلفت ولكن إلى أن تحمل
المرارة حمَّى تصدِّعها يكون قد حمي القلب وتصدَّع بل تقطَّع ومثل ذلك لو أنَّ قدراً من شمع وقار ثمَّ صبَّ فيها ماء ثمَّ أُوقد تحتها النار فلعمري إنَّ النَّار تذيب القار وإنَّ القار إذا ذاب انصبَّ الماء غير أنَّ قبل ذوب القار يكون انحلال الشمع
وتليفةُ النَّار فكذلك القلب ينهتك حجابه بالحرارة المنحازة إليه قبل انهتاك الحرارة بحين طويل وتظنّ العامّة بل كثير من الخاصة أنَّ الزّفير سبب التَّلف وليس الأمر كذلك بل هو إذا أراد الله عزّ وجلّ سبب لدفع التَّلف وذلك أنَّ القلب إذا أفرط الحميُ عليه اجتلبت
له القوى الغريزيَّة روحاً تدفع مضرَّة ذلك عنه فتجلبه له من نسيم الهوى الخارج عنه فربَّما جاء من النّسيم ما يدفع مضرَّة تلك الحرارة فيكون زفير ولا يكون تلف وربَّما ضعف النّسيم المجتلب وحمي في المجاري لشدَّة ما يلقاه من الحرارات فيعجز برده عن دفع
مضرَّة الحرارة المحيطة بالقلب فتهتك الحرارة الحجاب ويكون التلف فلأنَّهم يرون التَّلف على أثر الزَّفرة يرون أنه قد وقع من أجلها وهو في الحقيقة إنَّما وقع من أجل ضدّها وقد تقتل أيضاً أوَّل مفاجأة الفرح الغالب بإفراط بردها كما تقتل أوَّل مفاجأة الحزن بإفراط حرّها
لأنه ينحاز إلى القلب من سائر الأعضاء برد لا تفي به حرارة الغريزيَّة فيجمد دم القلب ويحدث التَّلف ولا يكون معه زفير ولا شهيق لأن النَّفس لا تجتلب الحرارة من خارج البدن كما تجتلب البرودة وقولهم أقرَّ الله عينك وأسخن الله عين فلان إنَّما هو
لأنَّ دمعة الحزن حارَّة ودمعة الفرح باردة وكلّ واحدة من الفرح والحزن إذا استوطن النَّفس أنست بمجاورته قليلاً حتَّى يصير كالخلق المعتاد لها وكالطبع القائم بها ومن جيد ما قيل في باب التَّسلِّي عمَّن يئس منه:
هيَ الشَّمسُ مسكنُها في السَّماءِ
فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا
فلنْ تستطيعَ إليها الصُّعودَ
ولنْ تستطيعَ إليكَ النُّزولا
وقال امرؤ القيس:
عيناكَ دمعُهما سِجالُ
كأنَّ شأنيهِما أوشالُ
مِنْ ذكرِ ليلَى وأينَ ليلَى
وخيرُ ما نلتَ ما ينالُ
أنشدني أحمد بن يحيى لأم الضحاك المحاربية:
سألتُ المحبِّينَ الَّذينَ تحمَّلوا
تباريحَ هذا الحبِّ في سالفِ الدَّهرِ
فقلتُ لهمْ ما يُذهبُ الحبَّ بعدَما
تبوَّأ ما بينَ الجوانحِ والصَّدرِ
فقالُوا شفاءُ الحبِّ يُزيلهُ
مِن آخرَ أوْ نأيٌ طويلٌ على هجرِ
أوِ اليأسُ حتَّى تذهلَ النَّفسُ بعدَما
رجتْ طمعاً واليأسُ عوناً علَى الصَّبرِ
وقال آخر:
فيا ربِّ إنْ أهلِكْ ولمْ تُروَ هامَتي
بليلَى أمتْ لا قبرَ أعطشُ مِنْ قبرِي
وإنْ أكُ عنْ ليلَى سلوتُ فإنَّما
تسلَّيتُ عنْ يأسٍ ولمْ أسلُ عنْ صبرِ
وإنْ يكُ عنْ ليلَى غنًى وتخلُّدٌ
فربَّ غنَى نفسٍ قريبٍ منَ الفقرِ
وقال كثيّر:
وإنِّي لآتيكمْ وإنِّي لراجعٌ
بغيرِ الجوَى مِنْ عندكم لمْ أُزوَّدِ
إذا دبَرانٌ منكِ يوماً لقيتهُ
أُؤمِّلُ أنْ ألقاكِ بعدُ بأسعدِ
فإنْ يسلُ عنكِ القلبُ أوْ يدعِ الصِّبى
فباليأْسِ يسلو عنكِ لا بالتَّجلُّدِ
وقال علي بن محمد العلوي:
كانَ يُبكيني الغناءُ سروراً
فأرانِيَ أبكِي لهُ اليومَ حُزنا
آهِ مِنْ خطرةِ الكبيرِ إذا ما
خطرَ اليأسُ دونَ ما يتمنَّى
وقال البحتري
أرجُو عواطفَ مِنْ ليلَى ويُؤيِسُني
دوامُ ليلَى علَى الهجرِ الَّذي تلِدا
ولمْ يعُدْني لها طيفٌ فيفْجَأني
إلاَّ علَى أبرحِ الوجدِ الَّذي عُهدا
وقال أيضاً
يرجُو مُقارنةَ الحبيبِ ودونهُ
وجدٌ يُبرِّحُ بالمَهارِي القُودِ
ومتى يُساعدُنا الوصالُ ودهرُنا
يومانِ يومُ نوًى ويومُ صدودِ
واليأسُ إحدَى الرَّاحتينِ ولنْ ترَى
تعباً كظنِّ الخائبِ المكدودِ
ولبعض أهل هذا العصر:
سأكفيكَ نفسِي لا كفايةَ غادرٍ
ولا سامعاً عذلاً ولا متعتّبا
ولكنَّ يأساً لمْ يرَ النَّاسُ مثلهُ
وصبراً علَى مرِّ المقاديرِ مُنصِبا
وفي دونِ ما بُلِّغتهُ بلْ رأيتهُ
بلاغٌ ولكنْ لا أرَى عنكَ مَذهبا
وله أيضاً:
حاولتُ أمراً فلمْ يجرِ القضاءُ بهِ
ولا أرَى أحداً يُعدَى علَى القدرِ
فقدْ صبرتُ لأمرِ اللهِ مُحتسباً
واليأسُ مِنْ أشبهِ الأشياءِ بالظَّفرِ
فالحمدُ للهِ شكراً لا شريكَ لهُ
ما أولعَ الدَّهرَ والأيَّامَ بالغيَرِ
وقال البحتري
عزَّيتُ نفسِي ببردِ اليأسِ بعدهمُ
وما تعزَّيتُ مِنْ صبرٍ ولا جلدِ
إنَّ النَّوى والهوَى شيئانِ ما اجتَمَعا
فخلَّيا أحداً يصبُو إلى أحدِ
وقال أيضاً
محلَّتُنا والعيشُ غضٌّ نباتهُ
وأفنيةُ الأيَّامِ خضرٌ ظلالُها
وليلَى علَى العهدِ الَّذي كانَ لمْ تغُلْ
نَواها ولا حالتْ إلى الصَّدِّ حالُها
وكنتُ أُرجِّي وصلَها عندَ هجرِها
فقدْ بانَ منِّي هجرُها ووصالُها
ولا قُربَ إلاَّ أنْ يعاودَ ذِكرها
ولا وصلَ إلاَّ أنْ يُطيفَ خيالُها
وقال الأحوص:
تذكَّرتُ أيَّاماً مضينَ منَ الصِّبى
وهيهاتَ هيهاتَ إليكَ رجوعُها
تُؤمِّلُ نُعمى أنْ تريعَ بها النَّوى
ألا حبَّذا نُعمى وسوفَ تريعُها
لعمرِي لراعَتْني نوائحُ غُدوةٌ
فصدَّعَ قلبِي بالفراقِ جميعُها
فظَلتُ كأنِّي خشيةَ البينِ إذ أنا
أخُو جِنَّةٍ لا يستبلُّ صريعُها
وقال آخر:
أمَا واللهِ غيرَ قلًى لليلَى
ولكنْ يا لهُ يأساً مُبينَا
لقدْ جعلتْ دَواوينَ الغَوانِي
سِوى ديوانِ حبِّكِ يمَّحينَا
وقال بشار بن برد:
أُحبُّ بأنْ أكونَ علَى بيانٍ
وأخشَى أنْ أموتَ منَ البيانِ
فقدْ أصبحتُ لا فرِحاً بدُنيا
ولا مُستنكراً دارَ الهوانِ
يُقلِّبُني الهوَى ظهراً لبطنٍ
فما يخفَى علَى أحدٍ يرَانِي
وقال ذو الرمة:
أفِي كلِّ أطلالٍ بها منكَ جنَّةٌ
كما جُنَّ مقرونُ الوَظيفينِ نازعُ
ولا بدَّ مِنْ ميٍّ وقدْ حِيلَ دونَها
فما أنتَ فيما بينَ هاتَينِ صانعُ
أمُستوجبٌ أجرَ الصَّبورِ فكاظمٌ
علَى الوجدِ أمْ مُبدِي الضَّميرِ فجازعُ
وقال مجنون بني عامر:
فيا قلبُ متْ حزناً ولا تكُ جازعاً
فإنَّ جزوعَ القومِ ليسَ بخالدِ
هويتَ فتاةً نيلُها الخلدُ فالتمسْ
سبيلاً إلى ما لستَ يوماً بواجدِ
أحنُّ إلى نجدٍ وإنِّي ليائسٌ
طوالَ اللَّيالي مِنْ قفولٍ إلى نجدِ
وإنَّكَ لا ليلَى ولا نجدَ فاعترفْ
بهجرٍ إلى يومِ القيامةِ والوعدِ
وقال آخر:
خَلتْ عنْ ثرَى نجدٍ فما طابَ بعدَها
ولوْ راجعتْ نجداً لطابَ إذنْ نجدُ
هو اليأسُ مِنْ ليلَى علَى أنَّ حبَّها
مُقيمُ المراسِي لمْ يزل عندَنا بعدُ
وقال آخر:
ألا لا أُحبُّ السَّيرَ إلاَّ مُصعِّداً
ولا البرقُ إلاَّ أنْ يلوحَ يمانِيا
علَى مثلِ ليلَى يقتلُ المرءُ نفسهُ
وإنْ كنتُ عنْ ليلَى علَى النَّايِ طاوِيا
ولبعض أهل هذا العصر:
يقولُ أبَعْدَ اليأسِ تبكِي صبابةً
فقلتُ وهلْ قبلَ الإياسِ بكاءُ
أبكي علَى مَن لستُ أرجُو ارتجاعهُ