ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 9 من 22

كتاب الزهرة — المجلد الرقمي الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 9 من 221,409 كلمة في هذا الجزء

وأبكي علَى أنْ لا يكونَ رجاءُ

وقال آخر:

يقولُونَ عنْ ليلَى عَييتَ وإنَّما

بيَ اليأسُ عنْ ليلَى وليسَ بيَ الصَّبرُ

فيا حبَّذا ليلَى إذِ الدَّهرُ صالحٌ

وسَقياً لليلى بعدَما خبُثَ الدَّهرُ

وإنِّي لأهواها وإنِّي لآيسٌ

هوًى وإياسٌ كيفَ ضمَّهما الصَّدرُ

وهذا من أحسن ما مرَّ ويمرُّ لأنه قد جمع لفظاً لطيفاً ومعنًى مليحاً هذا البائس قد علم أنَّ اليأس لا يكون معه هوًى لأحدٍ من النَّاس فأظهر التَّعجُّب منه لأنه خارج عن عادته ووجد في قلبه بقايا من الحزن لألم الفراق وليس هو هوًى قائمٌ

ولكنَّه تأثير الاحتراق يزول حالاً بعد حالٍ إذ لم يدركه غليل الإشفاق ولم تحرّكه غلبات الاشتياق فظنَّ لشدَّة مضاضته أنَّ الهوى بعدُ مقيمٌ في قلبه.

وقال آخر:

نظرتُ وأصحابِي بنجدٍ غُديَّةً

لأُبصرهمْ أمْ هلْ أرَى فيَّ مطمعا

بنظرةِ مشتاقٍ رأَى اليأسَ والهوَى

جميعاً فعزَّى نفسهُ ثمَّ رجَّعا

شربتُ حراراتِ الفراقِ فلمْ أجدْ

كمثلكِ مشروباً أمرَّ وأوجَعا

وقاسيتُ تفريقَ الجميعِ فلمْ يدعْ

تفرُّقُ أُلاَّفي لعينيَّ مطعما

وأنشدني أحمد بن يحيى عن زيد بن بكَّار لرجل من بني أسد:

وكنتَ إذا اشتفيتَ بريحِ نجدٍ

وماءِ البيرِ مِنْ غللٍ شفاها

فلمَّا أنْ رأيتَ بها أُموراً

تقادمَ وهلُها وبدَا ثَآها

عرجتَ علَى المنازلِ غيرَ بُغضٍ

وأسمحَ علوُ نفسكَ عنْ هواهَا

وساقتكَ المقادرُ واللَّيالي

إلى أنْ لا تَراكَ ولا تَراها

ولبعض أهل هذا العصر:

أمنتُ عليكَ الدَّهرَ والدَّهرُ غادرُ

وسكَّنتُ قلبي عنكَ والقلبُ نافرُ

وما ذاكَ عنْ إلفٍ تخيَّرتُ وصلهُ

عليكَ ولا أنِّي بعهدكَ غادرُ

ولكنَّ صرفَ الدَّهرِ قدْ عجَّلَ الرَّدى

وأيأسَني منْ أنْ تدورَ الدَّوائرُ

فلستُ أُرجِّيهِ ولستُ أخافهُ

وهلْ يرتَجي ذو اللُّبِّ ما لا يحاذرُ

إذا بلغَ المكروهُ بي غايةَ المدَى

فأهونُ ما تجرِي إليهِ المقادرُ

تناسيتَ أيَّامَ الصَّفاءِ الَّتي مضتْ

لديكَ علَى أنِّي لها الدَّهرَ ذاكرُ

أُثبِّتُ قلبي عنكَ والوّدُّ ثابتٌ

وهل تصبرُ الأحشاءُ والحزنُ صابرُ

إلى اللهِ أشكُو لا إليكَ فإنَّهُ

علَى ردِّ أيَّامِ الصَّفاءِ لقادرُ

وقال العتبي:

فيا ويحَ قلبٍ عذَّبَ العينَ بالبُكا

علَى كلِّ شِفرٍ مِنْ مدامعِها غربُ

ويا ويحَ مشتاقٍ محَا اليأسُ ما رجَا

لحُرقتهِ شرقٌ وليسَ لها غربُ

وقال ذو الرمة:

تحنُّ إلى ميٍّ كما حنَّ نازعٌ

دعاهُ الهوَى فارتدَّ مِنْ قيدهِ قصرَا

ولا ميَّ إلاَّ أنْ تزورَ بمشرقٍ

أوِ الزُّرقِ مِنْ أطلالِها دِمناً قفرَا

وأنشدني أبو طاهر الدمشقي لبعض الأعراب:

أظنُّ اليومَ آخرَ عهدِ نجدٍ

ألا فاقرأ علَى نجدٍ سلاما

فربَّتَما سكنتَ بحرِّ نجدٍ

وربَّتَما ركبتَ بها السَّواما

وربَّتَما رأيتَ لأهلِ نجدٍ

علَى العلاَّتِ أخلاقاً كراما

وإنِّي للمكلَّفُ حبَّ نجدٍ

وإنِّي للمسرُّ بها السَّقاما

فهؤلاء الذين ذكروا أشعارهم قد سلوا على أوَّل روعات اليأس فمنهم من تشاغل بإظهار الحنين تجمّلاً للنَّاس ومنهم من صرَّح بالسّلوِّ عن نفسه ومنهم من اشتغل بمعالجة ما بقي من الهوَى في قلبه ونحن الآن نذكر طرفاً من أخبار من تمكَّنت الرَّوعة الأولى من نفسه

وتظاهر سلطانه على قلبه فبلغ إلى ما لا يمكن منه تلافٍ ولا ينفع فيه استعطاف حدَّثني أبو طاهر الدمشقي قال حدثنا حامد بن يحيى النَّجليّ قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مُزينة يقال له ابن عاصم عن

أبيه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في سريَّة وقال إن رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذّناً فلا تقتلوا أحداً وإنَّا قد لقينا قوماً فأسرناهم ورأى نسوة وهو في ذمَّته فدنا إلى هؤلاء أفض إليهنَّ فدنَا إلى امرأة منهنَّ فقال أسلمي حُبيش قبل نفاذ

العيش.

أرأيتِ إذ طالبتكمْ فوجدتمُ

بحَليةَ أوْ ألفيتكمْ بالخوانقِ

ألمْ يكُ حقّاً أنْ ينوَّلَ عاشقٌ

تكلَّفَ إدلاجَ السُّرى والودائقِ

فلا ذنبَ لِي قدْ قلتُ إذ أهلُنا معاً

أثِيبي بودٍّ قبلَ إحدَى الصَّفائقِ

أثِيبي بودٍّ قبلَ أنْ تشحطَ النَّوى

وينأَى الأميرُ بالحبيبِ المفارقِ

قال فقالت وأنت فحييت عشراً وتسعاً وترَا وثمانياً تترَا قال ثمَّ قدَّمناه فضربنا عنقه فنزلت إليه امرأة تخصُّه فأكبَّت عليه فما زالت تحنُّ عليه حتَّى ماتت وقال الجاحظ ذُكرت لأمير المؤمنين المتوكّل لتأديب بعض ولده فلمَّا رآني استشبع منظري فأمر لي بعشرة آلاف وصرفني فخرجت

من عنده فلقيت محمَّد بن إبراهيم وهو يريد الانحدار إلى مدينة السَّلام فعرض عليَّ الخروج معه وقرَّب حرَّاقته ونصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعتْ عوَّادة له فغنَّت:

كلَّ يومٍ قطيعةٌ وعتابُ

ينقضِي دهرُنا ونحنُ غِضابُ

ليتَ شِعري أنا خُصصتُ بهذا

دونَ ذا الخلقِ أمْ كذا الأحبابُ

ثمَّ سكتت وأمر طُنبوريَّة فغنَّت:

وا رحمَتَا للعاشِقينا

ما إنْ أرَى لهمُ مُعينا

كمْ يهجرونَ ويُضربونَ

ويُقطعونَ فيصبِرُونا

فقالت لها العوَّادة فيصنعون ماذا؟ قالت ويصنعون هكذا وضربت بيدها إلى السّتارة فهتكتها وبرزت كأنَّها فلقة قمر فزجَّت نفسها إلى الماء قال وعلى رأس محمَّد غلام يضاهيها في الجَمال وبيده مِذبَّة فلمَّا رأَى ما صنعت ألقى المذبَّة من يده وأتى الموضع فنظر إليها وهي تمرُّ

بين الماء فأنشأ يقول:

أنتَ الَّتي غرَّقْتِني

بعدَ القضَا لوْ تعلَمينا

وزجَّ بنفسه في أثرها فأدار الملاَّح الحرَّاقة فإذا بهما معتنقان ثمَّ غاصا فلم يُريا فهال ذلك محمداً واستفظعه وقال لي أبا عمرو ولتحدّثني بحديث يُسليني عن فعل هذين وإلا ألحقتك بهما قال فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد للمظالم وعُرضت عليه القصص فمرَّت

به قصَّة فيها إن رأى أمير المؤمنين أعزَّه الله أن يُخرج إليَّ جاريته فلانة حتَّى تغنِّيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ سليمان وأمر من يخرج إليه فيأتيه برأسه واسترجع وأتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل إليه فلمّا وقف بين يديه قال له ما الَّذي حملك

على ما صنعت؟ قال الثّقة بحملك والاتّكال على عفوك فأمره بالقعود حتَّى إذا لم يبق من بني أُميَّة أحد إلاَّ خرج فأمر فأُخرجت الجارية ومعها عودها ثمَّ قال قل لها غنِّي فقال لها الفتى غنِّي:

أفاطمَ مهلاً بعضَ هذا التَّدلُّلِ

وإن كنتِ قدْ أزمعتِ هجري فاجْمِلي

فغنَّته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فشربه ثمَّ قال له قل قال غنِّي:

تألَّقَ البرقُ نجديّاً فقلتُ لهُ

يا أيُّها البرقُ إنِّي عنكَ مشغولُ

فغنَّته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فأُتي برطل فشربه ثمَّ قال له قل قال غنِّي:

حبَّذا رجعُها إليها يدَيْها

في يدَيْ درعِها تحلُّ الإزارا

فغنَّته فقال له قل قال تأمر لي برطل فأُتي برطل فما استتمَّ شربه حتَّى وثب فصعد على قبَّة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فقال سليمان إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون أتراه الأحمق الجاهل ظنَّ أنِّي أُخرج الجارية إليه وأردُّها إلى ملكي يا غلمان خذوا بيدها

فانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدَّقوا عنه فلمَّا انطلقوا بها نظرت إلى حفرة في دار سليمان قد أُعدَّت للمطر فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:

مَنْ ماتَ عشقاً فليمتْ هكذا

لا خيرَ في الحبِّ بلا موتِ

وزجَّت بنفسها على دماغها فماتت فسُري عن محمَّد وأحسن صلتي وذكر لنا أنَّ محمَّداً بن حميد الطُّوسي كان جالساً مع ندمانه يوماً فغنَّت جارية له وراء السِّتارة:

يا قمرَ القصرِ متى تطلعُ

أشقَى وغيرِي بكَ مُستمتعُ

إنْ كانَ ربِّي قدْ قضَى كلَّ ذا

منكَ علَى رأْسِي فما أصنعُ

قال وعلى رأس محمَّد غلام بيده قدح يسقيه فرمى بالقدح من يده وقال تصنعين هكذا ورمى بنفسه من الدَّار إلى الدِّجلة فهتكت الجارية السِّتارة ثمَّ رمت بنفسها على أثره فنزل الغاصة خلفها فلم يجدوا واحداً منهما فقطع محمَّد الشُّرب وقام من مجلسه وأخبار هذا الباب

أكثر من أن يتضمَّنها مثل هذا الكتاب غير أنَّا اقتصرنا منها على ما يكون معه مضربين عنها ولا مكترثين بها ولقد كادت شهرتها له لتمنعنا عن ذكرها غير أنَّها كانت شاهداً لما قدَّمناه وأحببنا أن يؤيّد بذكرها على ما شرطناه.