وفي الليلة الثامنة والتسعين بعد التسعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن بنت الملك قابلت الوزير وقالت له مرحباً بك ولو كنت قتلت أبي وزوجي لكان أحسن عندي فقال لها لا بد أن أقتلهما فأجلسته وصارت تمازحه حتى تظفر بالخاتم وتبدل فرحه بالنكد على ما ناصبته وما فعلت معه هذه الفعال. فلما رأى الملاطفة والإبتسام هاج عليه الغرام وطلب منها الوصال فلما دنا منها تباعدت عنه وبكت وقالت يا سيدي أما ترى الرجل الناظر إلينا بالله عليك أن تسترني عن عينه فكيف تواصلني وهو ينظر إلينا فاغتاظ وقال: أين الرجل قالت
ها هو في فص الخاتم يطلع رأسه وينظر إلينا فظن أن خادم الخاتم ينظر إليهما فضحك وقال لا تخافي إن هذا خادم وهو تحت طاعتي قالت أنا أخاف من العفاريت فاقلعه وارمه بعيداً عني فقلعه ووضعه على المخدة ودنا منها فرفسته برجلها في قلبه فانقلب على قفاه مغشياً عليه وزعقت على أتباعها فأتوها بسرعةٍ فقالت امسكوه فقبض عليه أربعون جارية وعجلت بأخذها الخاتم من فوق المخدة ودعكته وإذا بأبي السعادات أقبل يقول لبيك يا سيدتي فقالت احمل هذا الكافر وضعه في السجن وثقل قيوده فأخذه
وسجنه في سجن الغضب ورجع وقال لها: لقد سجنته فقالت له: أين أبي وزوجي قال رميتهما في الربع الخراب قالت: أمرتك أن تأتيني بهما في هذه الساعة فقال: سمعاً وطاعةً ثم طار من أمامها ولم يزل طائراً إلى أن وصل إلى الربع الخراب ونزل عليهما فرآهما قاعدين يبكيان ويشكوان لبعضهما فقال لهما لا تخافا قد أتاكما الفرج وأخبرهما بما فعل الوزير وقال لهما أني قد سجنته بيدي طاعةً لها ثم أمرتني بإرجاعكما ففرحا بخبره ثم حملهما وطار بهما فما كان غير ساعة حتى دخل بهما
على بنت الملك فقامت وسلمت على أبيها وزوجها وأجلستهما وقدمت لهما الطعام والحلوى وباتا بقية الليلة. وفي ثاني يوم ألبست أباها بدلةً فاخرةً وألبست زوجها بدلةً فاخرةً وقالت يا أبت أقعد أنت على كرسيك ملكاً على ما كنت عليه أولاً واجعل زوجي وزير ميمنة عندك وأخبر عسكرك بما جرى وهات الوزير من السجن واقتله ثم احرقه فأنه كافرٌ وأراد أن يدخل علي سفاحاً من غير نكاح وشهد على نفسه أنه كافر وليس له دين يتدين به واستوص بنسيبك الذي جعلته وزير ميمنة عندك فقال سمعاً
وطاعةً يا بنتي ولكن أعطيني الخاتم أو أعطيه لزوجك فقالت أنه لا يصلح لك ولا له وإنما الخاتم يكون عندي وربما أحميه أكثر منكما ومهما أردتما فاطلباه مني وأنا أطلب لكما من خادم هذا الخاتم ولا تخشيا بأساً ما دمت أنا طيبة وبعد موتي فشأنكما والخاتم فقال أبوها هذا هو الرأي الصواب يا بنتي. ثم أخذ نسيبه وطلع إلى الديوان وكان العسكر قد باتوا في كربٍ عظيمٍ بسبب بنت الملك وما فعل معها الوزير من أنه دخل عليها سفاحاً من غير نكاح وأساء الملك ونسيبه
وخافوا أن تنتهك شريعة الإسلام لأنه ظهر لهم أنه كافرٌ ثم اجتمعوا في الديوان وصاروا يعنفون شيخ الإسلام ويقولون له لماذا لم تمنعه من الدخول على الملكة سفاحاً فقال لهم: يا ناس أن الرجل كافرٌ وصار ملكاً للخاتم وأنا وأنتم لا يخرج من أيدينا في حقة شيء فالله تعالى يجازيه بفعله فاسكتوا أنتم لئلا يقتلكم. فبينما العساكر مجتمعون يتحدثون في هذا الكلام وإذ بالملك دخل عليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة التاسعة والتسعين بعد التسعمائة
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن العساكر من شدة غيظهم جلسوا في الديوان يتحدثون بشأن الوزير وما فعل بالملك ونسيبه وبنته وإذا بالملك قدم إليهم في الديوان ومعه نسيبه معروف فلما رآته العساكر فرحوا بقدومه وقاموا له على الأقدام وقبلوا الأرض بين يديه ثم جلس على الكرسي وأفادهم بالقصة فزالت عنهم الغصة وأمر بزينة المدينة وأحضر الوزير من الحبس فلما مر العساكر صاروا يلعنونه ويوبخونه حتى وصل إلى الملك فلما تمثل بين يديه أمر بقتله أشنع قتلة ثم حرقوه وراح إلى سقر في أسوا الحالات.
ثم أن الملك جعل معروفاً وزير ميمنة عنده وطابت لهم الأوقات وصفت لهم المسرات واستمروا على ذلك خمس سنوات وفي السنة السادسة مات الملك فجعلت بنت الملك زوجها سلطاناً مكان أبيها ولم تعطه الخاتم وكانت في هذه المدة حملت منه ووضعت غلاماً بديع الجمال بارع الحسن والكمال ولم يزل في حجر الدادات حتى بلغ من العمر خمس سنوات فمرضت أمه مرض الموت فأحضرت معروفاً وقالت له أنا مريضة قال لها: سلامتك يا حبيبة قلبي قالت له ربما أموت فلا تحتاج إلى أن أوصيك على ولدك
إنما أوصيك بحفظ الخاتم خوفاً عليك وعلى هذا الغلام فقال: ما على من يحفظه بأس فقلعت الخاتم وأعطته له وفي ثاني يومٍ توفيت إلى رحمة الله تعالى وأقام معروف ملكاً وصار يتعاطى الأحكام. فاتفق له في بعض الأيام أنه نفض المنديل فانفضت العساكر من قدامه إلى أماكنهم ووصل هو إلى قاعة الجلوس وجلس فيها إلى أن مضى النهار وأقبل الليل بالإعتكار فجاء إليه أرباب منادمته من الأكابر على عادتهم وسهروا عنده من أجل البسط والإنشرح إلى نصف الليل ثم طلبوا الإجازة بالإنصراف فأذن لهم وبعد
ذلك جاءت إليه جاريةٌ كانت مقيدة بخدمة فراشه ففرشت له المرتبة وقلعته البدلة وألبسته بدلة النوم واضطجع فصارت تكبس قدميه حتى غلب عليه النوم فذهبت من عنده وراحت إلى مرقدها ونامت هذا ما كان من أمرها. وأما ما كان من أمر الملك معروف فأنه بينما كان نائماً لم يشعر إلا وشيءٍ بجانبه في الفراش فانتبه مرعوباً وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم فتح عينيه فرأى بجانبه امرأة قبيحة المنظر فقال لها من أنت قالت لا تخف أنا زوجتك فاطمة العرة فنظر في وجهها فعرفها
بمسخة صورتها وطول أنيابها وقال: من أين وصلت علي ومن جاء بك إلى هذه البلاد فقالت له: في أي بلاد أنت في هذه الساعة قال: في مدينة خيتان أختن وأنت متى فارقت مصر قالت: في هذه الساعة: قال: وكيف ذلك قالت: لما تشاجرت معك وأغواني الشيطان على ضررك واشتكيتك إلى الحكام ففتشوا عليك فما وجدوك وسأل القضاة عنك فما رأوك بعد أن مضى يومان لحقتني الندامة وعلمت أن العيب عندي وصار الندم لا ينفعني وقعدت مدة أيامٍ وأنا أبكي على فراقك وقل ما في يدي
واحتجت إلى السؤال فصرت أسأل كل مغبونٍ وممقوتٍ ومن حين فارقتني وأنا آكل من ذل السؤال وصرت في أسوأ الأحوال وكل ليلةٍ أقعد أبكي على فراقك وعلى ما قاسيت بعد غيابك من الذل والهوان والتعاسة والخسران وصارت تحدثه بما جرى لها وهو باهت فيها إلى أن قالت: وفي الأمس درت طول النهار أسأل فلم يعطني أحد شيئاً وصرت كلما أقبل على أحد واسأله كسرة يشتمني ولا يعطيني شيئاً فلما أقبل الليل بت من غير عشاء فأحرقني الجوع وصعب علي ما قاسيت وقعدت أبكي وإذا بشخصٍ
تصور قدامي وقال لي: يا امرأة لأي شيءٍ تبكين فقلت: أنه كان لي زوجٌ يصرف علي ويقضي أغراضي وقد فقد مني ولم أعرف أين راح وقد قاسيت الغلب من بعده فقال: ما اسم زوجك قلت: اسمه معروف قال: أنا أعرفه اعلمي أن زوجك الآن سلطاناً على مدينة وإن شئت أن أوصلك إليه أفعل ذلك فقلت له: أنا في عرضك أن توصلني إليه فحملني وطار بي بين السماء والأرض حتى أوصلني إلى هذا القصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.