الليلة الواحدة بعد المئة
قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان : إن الجارية قالت لوالدك : إن أخت بشر الحافي قصدت أحمد بن حنبل فقالت له : يا إمام الدين إنا قوم نغزل بالليل ونشتغل بمعاشنا في النهار وربما تمر بنا مشاعل ولاة بغداد ونحن على السطح نغزل في ضوئها فهل يحرم علينا ذلك ? قال لها : من أنت ? قالت : أخت بشر الحافي . فقال : يا أهل بشر لا أزال أستنشق الورع من قلوبكم . وقال بعض العارفين : إذا أراد
الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل . وكان ملك بن دينار إذا مر في السوق ورأى ما يشتهيه يقول : يا نفس اصبري فلا أوافقك على ما تريدين . وقال أيضاً : سلامة النفس في مخالفتها وبلاؤها في متابعتها . وقال منصور بن عمار : حججت حجة فقصدت مكة من طريق الكوفة وكانت ليلة مظلمة وإذا بصارخ يصرخ في جوف الليلة ويقول : إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك وما أنا جاهل بك ولكن خطيئة قضيتها علي في قديم أزلك فاغفر لي ما
فرط مني فإني قد عصيتك بجهلي . فلما فرغ من دعائه تلا هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة . وسمعت سقطة لم أعرف لها حقيقة فمضيت ، فلما كان الغد مشينا إلى مدرجنا وإذا بجنازة خرجت وراءها عجوز ذهبت قوتها فسألتها عن الميت فقالت : هذه جنازة رجل كان مر بنا البارحة وولدي قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فانفطرت مرارة ذلك الرجل فوقع ميتاً . ثم تأخرت الجارية الرابعة وتقدمت الجارية الخامسة وقالت :
ها أنا أذكر بعض ما يحضرني من أخبار السلف الصالح : كان مسلمة بن دينار يقول : عند تصحيح الضمائر نغفر الصغائر والكبائر ، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه الفتوح وقال : كل نعمة لا تقرب إلى الله فهي بلية وقليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وكثيرها ينسيك قليلها . وسئل أبو حازم : من أيسر الناس ? فقال : رجل امضى عمره في طاعة الله . قال : فمن أحمق الناس ? قال : رجل باع آخرته بدنيا غيره . وروي أن
موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين قال : رب إني لما أنزلت لي من خير فقير . فسأل موسى ربه ولم يسأل الناس وجاءت الجاريتان فسقى لهما ولم تصدر الرعاء فلما رجعتا أخبرتا أباهما شعيباً فقال لهما : لعله جائع . ثم قال لإحداهن : ارجعي إليه وادعيه . فلما أتته غطت وجهها وقالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا . فكره موسى ذلك وأراد أن لا يتبعها وكانت امرأة ذات عجز فكانت الريح تضرب ثوبها فيظهر لموسى عجزها فيغض بصره
ثم قال : لهاك كوني خلفي . فمشت خلفه حتى دخل على شعيب والعشاء مهيأ .
وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
الليلة الثانية بعد المئة
قالت شهرزاد :
بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير دندان قال لضوء المكان : وقالت الجارية الخامسة لوالدك : فدخل موسى على شعيب عليهما السلام والعشاء مهيأ فقال شعيب لموسى : يا موسى إني أريد أن أعطيك أجر ما سقيت لهما . فقال موسى : أنا من أهل بيت لا نبيع شيئاً من عمل الآخرة بما على الأرض من ذهب وفضة . فقال شعيب : يا شاب ولكن أنت ضيفي وإكرام الضيف عادتي وعادة آبائي بإطعام الطعام . فجلس موسى فأكل ، ثم إن شعيباً استأجر موسى ثماني
حجج أي ثماني سنين وجعل أجرته على ذلك تزويجه إحدى ابنتيه وكان عمل موسى لشعيب صداقاً لها كما قال تعالى حكاية عنه : أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تؤجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك . وقال رجل لبعض أصحابه وكان له مدة لم يره : إنك أوحشتني أني ما رأيتك منذ زمان . قال : اشتغلت عنك بابن شهاب أتعرفه ? قال : نعم هو جاري منذ ثلاثين سنة إلا أنني لم أكلمه .
قال له : إنك نسيت الله فنسيت جارك ولو أحببت الله لأحببت جارك ، أما علمت أن للجار علي حقاً كحق القرابة ? وقال حذيفة : دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم وكان شقيق البلخي قد حج في تلك السنة فاجتمعنا في الطواف فقال إبراهيم لشقيق : ما شأنكم في بلادكم ? فقال شقيق : إننا إذا رزقنا أكلنا وإذا جعنا صبرنا . فقال : كذا تفعل كلاب بلخ ولكننا إذا رزقنا آثرنا وإذا جعنا شكرنا . فجلس شقيق بين يدي إبراهيم قال له :
أنت أستاذي . وقال محمد بن عمران : سأل رجل حاتماً الأصم فقال له : ما أمرك في التوكل على الله تعالى ? قال : على خصلتين ، علمت أن رفاقي لا يأكله غيري فاطمأنت نفسي به وعلمت أني لم أخلق من غير علم الله فاستحييت منه . ثم تأخرت الجارية الخامسة وتقدمت العجوز وقبلت الأرض بين يدي والدك تسع مرات وقالت : قد سمعت أيها الملك ما تكلم به الجميع في باب الزهد وأنا تابعة لهن فاذكر بعض ما بلغني عن أكابر المتقدمين .
قيل : كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقسم الليل ثلاثة أقسام : الثلث الأول للعلم والثاني للنوم والثالث للتهجد . وكان الإمام أبو حنيفة يحيي نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال الآخران : إن هذا يحيي الليل كله . فلما سمع ذلك قال : إني أستحي من الله أن أوصف بما ليس في . فصار بعد ذلك يحيي الليل كله . وقال الربيع : كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان سبعين مرة كل ذلك في الصلاة . وقال الشافعي رضي الله
عنه : ما شبعت من خبز الشعير عشر سنين لأن الشبع يقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن القيام . وروي عن عبد الله ومحمد السكري أنه قال : كنت أنا وعمرة نتحدث فقال لي : ما رأيت أروع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي . واتفق أنني خرجت أنا والحرث بن لبيب الصغار وكان الحرث تلميذ المزني وكان صوته حسناً فقرأ قوله تعالى : هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون . فرأيت الإمام الشافعي تغير لونه واقشعر جلده واضطرب
اضطراباً شديداً وخر مغشياً عليه فلما أفاق قال : أعوذ بالله من مقام الكذابين وأعراض الغافلين اللهم لك خشعت قلوب العارفين ، اللهم هب لي غفران ذنوبي من جودك وجملني بسترك واعف عن تقصيري بكرم وجهك . ثم قمت وانصرفت . وقال بعض الثقات : لما دخلت بغداد كان الشافعي بها فجلست على الشاطئ لأتوضأ للصلاة إذ مر بي إنسان فقال لي : يا غلام أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة . فالتفت وإذا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفوا أثره
فالتفت إلي وقال : هل لك من حاجة ? فقلت : نعم تعلمني مما علمك الله تعالى . فقال : اعلم أن من صدق الله ونجا ومن نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن زهد في الدنيا قرت عيناه غداً أفلا أزيدك ? قلت : بلى . قال : كن في الدنيا زاهداً وفي الآخرة راغباً واصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين . ثم مضى فسألت عنه فقيل لي : هذا الإمام الشافعي . وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول :
وددت أن الناس ينتفعون بهذا العلم على أن لا ينسب إلي منه شيء .
وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .