ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 32 من 50

ألف ليلة وليلة — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 32 من 50975 كلمة في هذا الجزء

وفي الليلة الواحدة والتسعين

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان لما سمعت من أخيها الشعر دعت الخادم الكبير وقالت له اذهب وائتني بمن ينشد هذه الأشعار فقال لها: إني لم أسمعه ولم أعرفه والناس كلهم نائمون، فقالت له: كل من رأيته مستيقظاً فهو الذي ينشد الأشعار ففتش فلم ير مستيقظاً سوى الرجل الوقاد، وأما ضوء المكان فإنه كان في غشيته، فلما رأى الوقد الخادم واقفاً على رأسه خاف منه فقال له الخادم: هل أنت الذي كنت تنشد الأشعار وقد سمعتك سيدتنا؟ فاعتقد الوقاد أن السيدة اغتاظت من

الإنشاد فخاف وقال: والله ما هو أنا، فقال له الخادم: ومن الذي كان ينشد الشعر فدلني عليه فإنك تعرفه لأنك يقظان، فخاف الوقاد على ضوء المكان وقال في نفسه: ربما يضره الخادم بشيء فقال له: لم أعرفه فقال له الخادم: والله إنك تكذب فإنه ما هنا قاعدة إلا أنت فأنت تعرفه، فقال له الوقاد: أنا أقول لك الحق، إن الذي كان ينشد الأشعار رجل عابر طريق وهو الذي أزعجني وأقلقني فالله يجازيه فقال له الخادم: فإذا كنت تعرفه فدلني عليه وأنا أمسكه وآخذه إلى باب

المحفة التي فيها سيدتنا وأمسكه أنت بيدك، فقال له اذهب أنت حتى آتيك به. فتركه الخادم وانصرف ودخل وأعلم سيدته بذلك وقال: ما أحد يعرفه لأنه عابر سبيل فسكتت.

ثم إن ضوء المكان لما أفاق من غشيته رأى القمر قد وصل إلى وسط السماء وهب عليه نسيم الأسحار فهيج في قلبه البلابل والأشجان فحسس صوته وأراد أن ينشد فقال له الوقاد : ماذا تريد أن تصنع ? فقال : أريد أن أنشد شيئاً من الشعر لأطفئ به نيران قلبي . قال له : أما علمت بما جرى لي وما سلمت من القتل إلا بأخذ خاطر الخادم . فقال له ضوء المكان : وماذا جرى فأخبرني بما وقع ? فقال : يا سيدي قد أتاني

الخادم وأنت مغشي عليك ومعه عصا طويلة من اللوز وجعل يتطلع في وجوه الناس وهم نائمون ويسأل على كل من ينشد الأشعار فلم يجد من هو مستيقظ غيري فسألني فقلت له : إنه عابر سبيل فانصرف وسلمني الله منك وإلا كان قتلني . فقال لي : إذا سمعته ثانياً فإت به عندنا . فلما سمع ضوء المكان ذلك بكى وقال : من يمنعني من الإنشاد فأنا أنشد ويجري علي ما يجري فإني قريب من بلادي ولا أبالي بأحد . فقال له الوقاد : أنت ما

مرادك إلا هلاك نفسك . فقال له ضوء المكان : لابد من إنشاد . فقال له الوقاد : قد وقع الفراق بيني وبينك من هنا وكان مرادي أن لا أفارقك حتى تدخل مدينتك وتجتمع بأبيك وأمك وقد مضى لك عندي سنة ونصف وما حصل لك مني ما يضرك فما سبب إنشادك الشعر ونحن متعبين من المشي والسهر والناس قد هجعوا يستريحون من المشي ومحتاجون إلى النوم . فقال ضوء المكان : لا أعود عما أنا فيه . ثم هزته الأشجان فباح بالكتمان وأخذ ينشد هذه

الأبيات : قف بالديار وحي الأربع الدرسـا ........ ونادها فعساها أن تجيب عـسـا فإن أجنك ليل من تـوحـشـهـا ........ أوقد من الشوق في ظلماتها قبسا إن صل عذاريه فـلا عـجـب ........ أن يجن لسعا وأن أجتني لعسـا يا جنة فارقتها النفس مـكـرهة ........ لولا التأسي بدار الخلد مت أسى وأنشد أيضاً هذين البيتين : كنـا وكـانـت الأيام خــادمة ........ والشمل مجتمع في أبهج الوطن من لي بدار أحباب وكان بـهـا ........ ضوء المكان وفيها نزهة الزمن فلما فرغ من شعره صاح ثلاث صيحات ثم وقع

مغشياً عليه فقام الوقاد وغطاه ، فلما سمعت نزهة الزمان ما أنشده من الأشعار المتضمنة لذكر اسمها واسم أخيها ومعاهدهما بكت وصاحت على الخادم وقالت : ويلك إن الذي أنشد أولاً أنشد ثانياً وسمعته قريباً مني ، والله إن لم تأتني به لأنبهن عليك الحاجب فيضربك ويطردك ، ولكن خذ هذه الألف دينار وائتني به برفق فإن أبى فادفع له هذا الكيس الذي فيه ألف دينار فإن أبى فاتركه واعرف مكانه وصنعته ومن أي بلاد هو وارجع بسرعة .

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .

الليلة الثانية والتسعين

بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة المكان أرسلت الخادم يفتش عليه وقالت له : إذا وجدته فلاطفه وائتني به برفق . فخرج الخادم يتأمل في الناس ويدوس بينهم وهم نائمون فلم يجد أحد مستيقظاً ، فجاء إلى الوقاد فوجده قاعداً مكشوف الرأس فدنا منه وقبض على يده وقال له : أنت الذي كنت تنشد الشعر . فخاف على نفسه وقال : لا يا مقدم القوم ما هو أنا . فقال الخادم : لا أتركك حتى تدلني على من كان ينشد الشعر لأني لا أقدر الرجوع

إلى سيدتي من دونه . فلما سمع الوقاد كلام الخادم خاف على ضوء المكان وبكى بكاء شديداً وقال للخادم : والله ما هو أنا وإنما سمعت إنساناً عابر سبيل ينشد فلا تدخل في خطيئتي فإني غريب وجئت من بلاد القدس . فقال الخادم للوقاد : قم أنت معي إلى سيدتي وأخبرها بفمك فإني ما رأيت أحداً مستيقظاً غيرك . فقال الوقاد : أما جئت ورأيتني في الموضع الذي أنا قاعد فيه وعرفت مكاني وما أحد يقدر في هذه الساعة ينشد شيئاً من الشعر سواء كان

بعيداً أو قريباً لا تعرفه إلا مني . ثم باس رأس الخادم وأخذ بخاطره فتركه الخادم ودار دورة وخاف أن يرجع إلى سيدته بلا فائدة فاستتر في مكان غير بعيد من الوقاد فقام الوقاد إلى ضوء المكان ونبهه وقال له : اقعد حتى أحكي لك ما جرى . وحكى له ما وقع فقال له : دعني فإني لا أبالي بأحد فإن بلادي قريبة . فقال الوقاد لضوء المكان : لأي شيء أنت مطاوع نفسك وهواك ولا تخاف من أحد وأنا خائف على روحي وروحك ،

بالله عليك أنك لا تتكلم بشيء من الشعر حتى ندخل بلدك وأنا ما كنت أظنك على هذه الحالة ، أما علمت أن زوجة الحاجب تريد زجرك لأنك أقلقتها وقد كانت ضعيفة وتعبانة من السفر ، وكم مرة قد أرسلت الخادم يفتش عليك . فلم يلتفت ضوء المكان إلى كلام الوقاد بل صاح ثالثاً وأنشد هذه الأبيات : تركـت كــل لائم ........ ملامه أقلـقـنـي يعذلنـي ومـا درى ........ بابه حـرضـنـي قال الوشاة قد سـلا ........ قلت لحب الوطـن قالوا فمـا أحـنـه ........ قلت فما أعشقنـي قالوا

فـمـا أعـزه ........ قلت فمـا أذلـنـي هيهات أن أتـركـه ........ لو ذقت كأس الشجن وما أطعـت لائمـاً ........ في الهوى يعذلنـي وكان الخادم يسمعه وهو مستخف فما فرغ من شعره إلا والخادم على رأسه فلما رآه الوقاد فر ووقف بعيداً ينظر ما يقع بينهما ، فقال الخادم : السلام عليكم يا سيدي . فقال ضوء المكان : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته . فقال الخادم : يا سيدي .

وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .