فلئن أصاب أمير المؤمنين، فلما حذف هذا الفعل وأضمر ذكر أصابه ليدل عليه، ومثله قول النمر بن تولب: لا تجزعي إن منفساً أهلكتـه وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي وقال ذو الرمة: إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر لأن إذا لا
يليها إلا الفعل، وهي به أولى. هذا باب فعل اعلم أن كل اسم على مثال فعل مصروف في المعرفة والنكرة إذا كان اسماً أصلياً أو نعتاً، فالأسماء نحو، صرد ونغر وجعل، وكذلك إن كان جمعاً، نحو: ظلم وغرف. وإن سميت بشيء من هذا رجلاً انصرف
في المعرفة والنكرة. وأما النعت، فنحو: رجل حطم، كما قال: قد لفها الليل بسواق حطم وكذلك مال لبد، وهو الكثير، من قوله جل جلاله: " أهلكت مالاً لبدا " " البلد: 6 ". فإن كان الاسم على فعل معدولاً عن فاعل لم ينصرف إذا كان
اسم رجل في المعرفة، وينصرف في النكرة، وذلك نحو: عمر وقثم، لأنه معدول عن عامر، وهو الاسم الجاري على الفعل، فهذا مما معرفته قبل نكرته، فإذا أريد به مذهب المعرفة جاز أن تبنيه في النداء من كل فعل، لأن المنادى مشار إليه، وذلك قولك: يا
فسق، ويا خبث، تريد: يا فاسق ويا خبيث. وإنما قالت: بيدي ملحادة غدر في النداء للضرورة، فنقلته معرفة من النداء، ثم جعلته نكرة لخروجه عن الإشارة، فنعتت به ملحادة كما قال الحطيئة: أجول ما أجول ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع وهذا لا يقع إلا
في النداء، ولكن للشاعر نقله نكرة ونقله معرفة، على حد ما كان له في النداء. فيلحق قولها غدر بقوله: رجل حطم، ومال لبد، وما أشبهه. وفعال في المؤنث بمنزلة فعل في المذكر، ولو سميت رجلاً حطماً لصرفته، من قولك: هذا سائق حطم، لأنه قد وقع
نكرة غير معدول، فهو في النعوت بمنزلة صرد في الأسماء. هذا باب النسب إلى المضاف النسب إلى العلم المضاف اعلم أنك إذا نسبت إلى علم مضاف فالوجه أن تنسب إلى الاسم الأول، وذلك قولك في عبد القيس: عبدي، وكذلك في عبد الله بن دارم، فإن
كان الاسم الثاني أشهر من الأول جاز النسب إليه، لئلا يقع في النسب التباس من اسم باسم، وذلك قولك في النسب إلى عبد مناف منافي، وإلى أبي بكر بن كلاب بكري. قد يجوز، وهو قليل، أن تبني له من الاسمين اسماً على مثال الأربعة لينتظم
النسب، وذلك قولك في النسب إلى عبد الدار بن قصي عبدري، وفي النسب إلى عبد القيس عبقسي. النسب إلى المضاف غير العلم فإن كان المضاف غير علم فالنسب إلى الثاني على كل حال، وذلك قولك في النسب إلى ابن الزبير زبيري، لأن ابن الزبير إنما
صار معرفة بالزبير، وكذلك النسب إلى ابن رألان رألاني، فلذلك قالوا في النسب إلى ابن الأزرق أزرقي، وإلى أبي بيهس، بيهسي. النسب إلى الجماعة فأما قولهم: صفري فإنما أرادوا الصفر الألوان، فنسبوا إلى الجماعة، وحق الجماعة إذا نسب إليها أن يقع النسب إلى واحدها، كقولك:
مهلبي، ومسمعي، ولكن جعلوا صفراً اسماً للجماعة، ثم نسبوا غليه، ولم يقولوا: أصفري، فينسب إلى واحدها، وإما كان ذلك لأنهم جعلوا الصفر اسماً للجماعة، كما تسمى القبيلة بالاسم الواحد، ألا ترى أن النسب إلى الأنصار، أنصاري لأنه كان علماً للقبيلة وكذلك مدائني. وتقول في النسب
إلى الأبناء من بني سعد أبناوي، لأنه اسم للجماعة. فأما قولهم: الأزارقة، فهذا باب من النسب آخر، وهو أن يسمى كل واحد منهم باسم الأب، إذا كانوا ينسبون، ونظيره المهالبة، والمسامعة، والمناذرة. ويقولون: جاءني النميرون والأشعرون. جعل كل واحد منهم نميراً وأشعر، فهذا يتصل في
القبائل، على ما ذكرت لك. وقد تنسب الجماعة إلى الواحد على رأي أو دين، فيكون له مثل نسب الولادة، كما قالوا أزرقي، لمن كان على رأي ابن الأزرق، كما تقول تميمي وقيسي لمن ولده تميم وقيس، ومن قرأ: " سلام على آل ياسين " "
الصافات: 130 "، فإنما يريد إلياس عليه السلام ومن كان على دينه، كما قال: قدني من نصر الخبيبيين قد يريد أبا خبيب ومن معه. وقد يجتمع الرجال مع الرجل في التثنية إذا كان مجازهما واحداً في أكثر الأمر على لفظ أحدهما، فمن ذلك قولهم: العمران
لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن ذلك قولهم: الخبيبان لعبد الله ومصعب، وقد مضى تفسيره. عاد القول في الخوارج قال: والأزارقة لا تكفر أحداً من أهل مقالتها في دار الهجرة إلا القاتل رجلاً مسلماً، فإنهم يقولون: المسلم حجة الله، والقاتل قصد لقطع الحجة. الأزارقة
وولاة البصرة ويروى أن نافعاً مر بمالك بن مسمع في الحرب التي كانت بين الأزد وربيعة وبني تميم، ونافع متقلد سيفاً، فقام إليه مالك فضرب بيده إلى حمالة سيفه وقال: ألا تنصرنا في حربنا هذه! فقال: لا يحل لي، قال: فما بال مؤمني بني تميم
ينصرون كفارهم في هذه الحرب! فأمسك عنه، وخرج بعد ذلك بأيام إلى الأهواز، فلما قتل من قتل ممن بخازر من الخوارج في أيام ابن الماحوز كره ببة القتال، وأقام حارثة بن بدر الغداني بإزاء الخوارج، يناوشهم على غير ولاية، وكان يقول: ما عذرنا عند إخواننا
من أهل البصرة إن وصل إليهم الخوارج ونحن دونهم! فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير يخبرونه بقعود ببة، ويسألونه أن يولي والياً، فكتب إلى أنس بن مالك أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً، وكتب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر فولاه البصرة. فلقيه
الكتاب وهو يريد الحج، وهو في بعض الطريق، فرجع فأقام بالبصرة، وولى أخاه عثمان محاربة الأزارقة، فخرج إليهم في اثني عشر ألفاً، ولقيه حارقة فيمن كان معه، وعبيد الله بن الماحوز في الخوارج بسوق الأهواز، فلما عبروا إليهم دجيلاً نهض إليهم الخوارج، وذلك قبيل الظهر،
فقال عثمان بن عبيد الله لحارثة بن بدر: أما الخوارج إلا ما أرى? فقال له حارثة: حسبك بهؤلاء! فقال: لا جرم، والله لا أتغدى حتى أناجزهم! فقال له حارثة: إن هؤلاء لا يقاتلون بالتعسف، فأبق على نفسك وجندك، فقال: أبيتم يا أهل العراق إلا جبنا!
وأنت يا حارثة، ما علمك بالحرب? أنت والله بغير هذا أعلم! يعرض له بالشراب. فغضب حارثة، فاعتزل، وحاربهم عثمان يومه إلى أن غابت الشمس، فأجلت الحرب عنه قتيلاً، وانهزم الناس، وأخذ حارثة الراية، وصاح بالناس: أنا حراثة بن بدر، فثاب إليه قومه، فعبر بهم دجيلاً،
وبلغ فل عثمان البصرة؛ وخاف الناس الخوارج خوفاً شديداً. وعزل ابن الزبير عمر بن عبيد الله، وولى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، المعروف بالقباع، أحد بني مخزوم، وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر، فقدم البصرة، فكتب إليه حارثة
ابن بدر يسأله الولاية والمدد، فأراد توليته ، فقال له رجل من بكر بن وائل: إن حارثة ليس بذاك، إنما هو رجل شراب ، وفيه يقول رجل من قومه : ألم تر أن حارثة بـن بـدر يصلي وهو أكفر من حمار ألم تر أن للفتـيان
حـظـاً وحظك في البغايا والقمار فكتب إليه القباع: تكفيني حربهم إن شاء الله. فقام حارثة يدافعهم. فقال شاعر من بني تميم يذكر عثمان بن عبيد الله بن معمر ومسلم بن عبيس وحارثة بن بدر: مضى ابن عبيس صابراً غير عاجز وأعقبنا هذا الحجازي عـثـمـان فأرعد
من قبل اللقاء ابن معـمـر وأبرق والبرق اليمـانـي خـوان فضحت قريشاً غثها وسمـينـهـا وقيل بنو تيم بـن مـرة عـزلان فلولا ابن بدر لعراقـين لـم يقـم بما قام فيه للعـراقـين إنـسـان إذا قيل من حام الحقـيقة أومـأت إليه معد بالأنـوف وقـحـطـان قوله: فأرعد، زعم الأصمعي أنه
خطأ، وأن الكميت أخطأ في قوله: أرعد وأبـرق يا يزيد فما وعيدك لي بضائر وزعم أن هذا البيت الذي يرى لمهلهل، مصنوع محدث، وهو قوله: أنبضوا معجس القسي وأبرق نا كما ترعد الفحول الفحولا وأنه لا يقال إلا رعد وبرق إذا أوعد وتهدد، وهو يرعد
ويبرق وكذا يقال: رعدت السماء وبرقت، وأرعدنا وأبرقنا، إذا دخلنا في الرعد والبرق، قال الشاعر: فقل لأبي قابوس ماشئت فارعد وروى غير الأصمعي أرعد وأبرق على ضعف. وقوله: والبرق اليماني خوان، يريد والبرق اليماني يخون. وأجود النسب إلى اليمن يمني ويجوز يمان بتخفيف الياء، وهو
حسن، وهو في أكثر الكلام، تكون الألف عوضاً من إحدى الياءين، ويجوز يماني فاعلم، تكون الألف زائدة وتشدد الياء، قال العباس بن عبد المطلب: ضربناهم ضرب الأحامس غدوة بكل يماني إذا هز صـمـمـا تولية المهلب لقتال الخوارج وأخباره معهم ثم إن حارثة تفرق الناس عنه
أقام بنهر تيرى، فعبرت إليه الخوارج، فهرب وأصحابه يركض، حتى أتى دجيلاً، فجلس في سفينة، واتبعه جماعة من أصحابه، فكانوا معه، وأتاه رجل من بني تميم وعليه سلاحه، والخوارج وراءه وقد توسط حارثة، فصاح به: يا حارث؛ ليس مثلي ضيع، فقال للملاح: قرب، فقرب إلى
جرف، ولا فرضة هناك . فطفر بسلاحه في السفينة، فساخت بالقوم جميعاً. وأقام ابن الماحوز يجبي كور الأهواز ثلاثة أشهر، ثم وجه الزبير بن علي نحو البصرة، فضج الناس إلى الأحنف، فأتى القباع فقال: أصلح الله الأمير! إن هذا العدو قد غلبنا على سوادنا وفيئنا،
فلم يبق إلا أن يحصرنا في بلدنا حتى نموت هزلاً، قال: فسموا رجلاً، فقال الأحنف: الرأي لا يخيل ، ما أرى لها إلا المهلب بن أبي صفرة، فقال: أو هذا رأي جميع أهل البصرة! اجتمعوا إلي في غد. وجاء الزبير حتى نزل الفرات، وعقد الجسر
ليعبر إلى ناحية البصرة، فخرج أكثر أهل البصرة إليه. وقد اجتمع للخوارج أهل الأهواز وكورها، رغبة ورهبة، فأتاه البصريون في السفن وعلى الدواب ورجالة. فاسودت بهم الأرض، فقال الزبير لما رآهم: أبى قومنا إلا كفراً، فقطع الجسر، وأقام الخوارج بالفرات بإزائهم، واجتمع الناس عند القباع،
وخافوا الخوارج خوفاً شديداً، وكانوا ثلاث فرق، فسمى قوم المهلب، وسمى قوم مالك بن مسمع، وسمى قوم زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي، فصرفهم، ثم اختبر ما عند مالك وزياد، فوجدهما متثاقلين عن ذلك ، وعاد إليه من أشار بهما وقالوا: قد رجعنا عن رأينا،
ما نرى لها إلا المهلب، فوجه الحارث إليه فأتاه، فقال له: يا أبا سعيد، قد ترى ما رهقنا من هذا العدو، وقد اجتمع أهل مصرك عليك، وقال الأحنف: يا أبا سعيد، إنا والله ما آثرناك بها ولكنا لم نر من يقوم مقامك. فقال الحارث -
وأومأ إلى الأحنف - إن هذا الشيخ لم يسمك إلا إيثاراً للدين، وكل من في مصرك ماد عينه إليك، راج أن يكشف الله عز وجل هذه الغمة بك، فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله، إني عند نفسي لدون ما وصفتم، ولست آبياً ما
دعوتم إليه، على شروط أشترطها. قال الأحنف: قل، قال: على أن أنتخب من أحببت، قال: ذاك لك، قال: ولي إمرة كل بلد أغلب عليه، قال: وذاك لك، قال: ولي فيء كل بلد أظفر به. قال الأحنف: ليس ذاك لك ولا لنا، إنما هو فيء المسلمين،
فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوهم، ولكن لك أن تعطي أصحابك من فيء كل بلد تغلب عليه ما شئت، وتنفق منه ما شئت على محاربة عدوك، فما فضل عنكم كان للمسلمين. فقال المهلب: فمن لي بذلك? قال الأحنف: نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك، قال: قد
قبلت. فكتبوا بذلك كتاباً ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، وانتخب المهلب من جميع الأخماس، فبلغت نخبته اثني عشر ألفاً، ونظروا ما في بيت المال، فلم يكن إلا مائتي ألف درهم، فعجزت، فبعث المهلب إلى التجار: إن تجارتكم مذ حول قد كسدت،
عليكم بانقطاع مواد الأهواز وفارس عنكم، فهلم بايعوني واخرجوا معي أوفكم إن شاء الله حقوقكم، فتاجروه، فأخذ من المال ما يصلح به عسكره، واتخذ لأصحابه الخفاتين والرانات المحشوة بالصوف. ثم نهض وأكثر أصحابه رجالة، حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأحضرت وأصلحت، فما ارتفع
النهار حتى فرغ منها، ثم أمر الناس بالعبور إلى الفرات، وأمر عليهم ابنه المغيرة، فخرج الناس، فلما قاربوا الشاطئ خاضت إليهم الخوارج، فحاربهم المغيرة ونضحهم بالسهام حتى تنحوا، فصار هو وأصحابه على الشاطئ، فحاربوهم فكشفوهم وشغلوهم، حتى عقد المهلب الجسر، وعبر والخوارج منهزمون، فنهى الناس