هذا الرجل فنظر ما عنده، فإن قدم أبا بكر وعمر، وبرئ من عثمان وعلي، وكفر أباه وطلحة، بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده، فتشاغلنا بما يجدي علينا. فدخلوا على ابن الزبير، وهو متبذل، وأصحابه متفرقون عنه، فقالوا: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنت
عل الصواب بايعناك، وإن كنت إلى غيره دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين? قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان، الذي أحمى الحمى، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئاً وكتب بخلافه، وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين? وفي الذي بعده الذي
حكم في دين الله الرجال، وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم? وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا علياً وهو إمام عادل مرضي، لم يظهر منه كفر، ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن? وكان لك
في ذلك ما يدعوك إلى التوبة! فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفة عند الله والنصر على أيدينا، ونسأل الله لك التوفيق، وإن أبيت خذلك الله وانتصر منك بأيدينا . فقال ابن الزبير: إن الله أمر - وله العزة والقدرة - في مخاطبة أكفر الكافرين
وأعتى العتاة بأرفه من هذا القول، فقال لموسى ولأخيه - صلى الله عليهما - في فرعون: " فقولا ل قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " " طه: 44 "، وقال رسول الله ﷺ : " لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى " فنهى عن سب
أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول، والمقيم على الشرك، والجاد في المحاربة، والمتبغض إلى رسول الله ﷺ قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنباً! وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي، أن تقولوا: أتبرأ
من الظالمين? فإن كانا منهم، دخلا في غمار الناس، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جل وعز قال للمؤمن في أبويه: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا
معروفا " " لقمان: 15 " وقال جل ثناؤه: " وقولوا للناس حسناً " " البقرة: 83 "، وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى بأن يعرف كل صاحبه
من عدوه، فروحوا إلي من عشيتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله. فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه، فلما رأى ذلك نجدة قال: هذا خروج منابذ لكم، فجلس على رفع من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على
نبيه ﷺ . ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرتها فيها، فجعلها كالماضية، وخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله ﷺ ، وذكر الحمى وما كان فيه من
الصلاح، وأن القوم استعتبوه من أمور، وكان له أن يفعلها أولاً مصيباً، ثم أعتبهم بعد محسناً، وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العتبى؛ ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم، فدفعوا الكتاب إليه، فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر
به، وقد أمر بقبول اليمنين ممن ليس له مثل سابقته، مع ما أجتمع له من صهر رسول الله ﷺ ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه، وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف عل حق فافتداها بمائة ألف ولم
يحلف، وقد قال رسول الله ﷺ : " من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض ". فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه، وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ﷺ ، ورسول الله يقول عن الله تعالى يوم أحد لما قطعت إصبع
طلحة: " سبقته إلى الجنة "، وقال: " أوجب طلحة ". وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد، قال: ذاك يوم كله أو جله لطلحة، والزبير حواري رسول الله وصفوته، وقد ذكر أنهما في الجنة، وقال جل وعز: " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك
تحت الشجرة " " الفتح: 18 "، وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم، فإن يكن ما سعوا فيه حقاً فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصها، وفيما وفقتهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ . ومهما ذكرتموهما به فقد بدأتم بأمكم عائشة
رضي الله عنها، فإن أبى آب أن تكون له أماً نبذ اسم الإيمان عنه، قال الله جل وعز وقوله الحق: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " " الأحزاب: 6 ". فنظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا عنه. وكان سبب وضع الحرب بين
ابن الزبير وبين أهل الشأم - بعد إذ كان حصين بن نمير قد حصر ابن الزبير - أنه أتاهم موت يزيد بن معاوية فتوادع الناس، وقد كان أهل الشأم ضجروا من المقام على ابن الزبير، وحنقت الخوارج في قتالهم، ففي ذلك يقول رجل من قضاعة:
يا صاحبي ارتجلا ثم املسـا لا تحسبا لدى الحصين محبسا إن لدى الأركان ناسناً بؤسا - قال الأخفش: حفظي بأساً أبؤسا -: وبارقات يختلسن الأنفسا إذا الفتى حكم يوماً كلسا قوله: ثم أملسا يريد: تخلصا تخلصاً سهلاً. وكلس، أي جمل وجد. ولما سمح ابن الزبير
للخوارج في القول وأظهر أنه منهم قال رجل يقال له فلان بن همام ، من رهط الفرزدق: يا ابن الزبير أتهوى عصـبة قـتـلـوا ظلماً أباك ولمـا تـنـزع الـشـكـك ضحوا بعثمان يوم النـحـر ضـاحـية ما أعظم الحرمة والعظمى التي انتهكوا! فقال ابن الزبير: لو شايعتني الترك
والديلم على قتال أهل الشأم لشايعتها. الشكك: جمع شكة، وهي السلاح، قال الشاعر: ومدججاً يسعى بشكته محمرة عيناه كالكلب فتفرقت الخوارج عن ابن الزبير لما تولى عثمان، فصارت طائفة إلى البصرة، وطائفة إلى اليمامة، وكان رجاء النصري وهو الذي جمعهم للمدافعة عن الحرم، فكان فيمن
صار إلى البصرة نافع بن الأزرق الحنفي، وبنو الماحوز السليطيون، ورئيسهم حسان بن بحدج ، فلما صاروا إلى البصرة نظروا في أمورهم فأمروا عليهم نافعاً. خروج نافع بن الأزرق بقومه إلى الأهواز ويروى أن أبا الجلد اليشكري قال لنافع يوماً: يا نافع، إن لجهنم سبعة
أبواب، وإن أشدها حراً للباب الذي أعد للخوارج، فإن قدرت ألا تكون منهم فافعل، فأجمع القوم على الخروج، فمضى بهم نافع إلى الأهواز في سنة أربع وستين، فأقاموا بها، لا يهيجون أحداً، ويناظرهم الناس. وكان سبب خروجهم إلى الأهواز أنه لما مات يزيد بايع أهل
البصرة عبيد الله بن زياد، وكان في السجن يومئذ أربعمائة رجل من الخوارج، وضعف أمر ابن زياد، فكلم فيهم فأطلقهم، فأفسدوا البيعة عليه، وفشوا في الناس، يدعون إلى محاربة السلطان ويظهرون ما هم عليه، حتى اضطر على عبيد الله أمره، فتحول عن دار الإمارة إلى
الأزد، ونشأت الحرب بسببه بين الأزد وربيعة وبين بني تميم، فاعتزلهم الخوارج إلا نفراً منهم من بني تميم، معهم عبس بن طلق الصريمي أخو كهمس فإنهم أعانوا قومهم، فكان عبس الطعان في سعد، والرباب في القلب بحذاء الأزد، وكان حارثة بن بد اليربوعي في حنظلة
بحذاء بكر بن وائل، وفي ذلك يقول حارثة بن بدر للأحنف؛ وهو صخر بن قيس: سيكفيك عبس أخو كهمس مواقفة الأزد بالمـربـد وتكفيك عمرو على رسلها لكيز بن أقصى وما عددوا - لكيز هو عبد القيس -: وتكفيك بكراً إذا أقبلـت بضرب يسيب له الأمرد
فلما قتل مسعود بن عمرو المعني، وتكاف الناس، أقام نافع بن الأزرق بموضعه بالأهواز، ولم يعد إلى البصرة، وطردوا عمال السلطان عنها، وجبوا الفيء. خروج نجدة بن عامر على نافع بن الأزرق والرسائل التي دارت بينهما ولم يزالوا على رأي واحد، يتولون أهل النهر ومرداساً
ومن خرج معه، حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقل له: إن أطفال المشركين في النار، وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأحللت بنفسك ، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني، " وقال
نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً أو كفاراً " " نوح: 26 - 27 "، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم. فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى تناكحهم، ولا توارثهم، ومتى جاء منهم
جاء فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب، لا نقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، والقعد بمنزلتهم، والتقية لا تحل، فإن الله تعالى يقول: " إذا فرق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية " " النساء: 77 "، وقال عز وجل فيمن كان على
خلافهم: " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " " المائدة: 54 ". فنفر جماعة من الخوارج عنه، منهم نجدة بن عامر، واحتج عليه بقول الله عز وجل: " إلا أن مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه " " غافر: 28 "، فالقعد
منا، والجهاد إذا أمكن أفضل، لقوله جل وعز: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً " " النساء: 95 ". ثم مضى نجدة بأصحابه إلى اليمامة وتفرقوا في البلدان. فلما تتابع نافع في رأيه وخالف أصحابه، وكان أبو طالوت سالم بن مطر بالخضارم في
جماعة قد بايعوه، فلما انخزل نجدة خلعوا أبا طالوت، وصاروا إلى نجدة فبايعوه، ولقي نجدة وأصحابه قوماً من الخوارج بالعرمة والعرمة كالسكر ، وجمعها عرم، وفي القرآن المجيد: " فأرسلنا عليهم سيل العرم " " سبأ: 16 "، وقل النابغة الجعدي: من سبأ الحاضرين مأرب
إذ يبنون من دون سيله العرما فقال لهم أصحاب نجدة: إن نافعاً قد أكفر القعد ورأى الاستعراض، وقتل الأطفال، فانصرفوا مع نجدة، فلما صار باليمامة كتاب إلى نافع: " بسم الله الرحمن الرحيم "، أما بعد: فإن عهدي بك وأنت لليتيم كالأب الرحيم، وللضعيف كالأخ
البر، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولا ترى معونة ظالم، كذلك كنت أنت وأصحابك. أما تذكر قولك: لو لا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته ما توليت أمر رجلين من المسلمين? فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء رضوانه، وأصبت من
الحق فصه، وركبت مره، تجرد لك الشيطان، ولم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك ومن أصحابك، فاستمالك واستهواك واستغواك وأغواك، فغويت فأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعد المسلمين وضعفتهم، فقال جل ثناؤه، وقوله الحق ووعده الصدق: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى
ولا على الذين لا يجدون ما ينفون حرج إذا نصحوا لله ورسوله " " التوبة: 91 ". ثم سماهم أحسن الأسماء، فقال: " ما على المحسنين من سبيل " " التوبة: 91 ". ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال
الله عز ذكره: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " " الأنعام: 164 " وقال في القعد خيراً، وفضل الله من جاهد عليهم. ولا يدفع منزلة أكثر الناس عملاً منزلة من هو دونه، أو ما سمعت قوله عز وجل: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين
غير أولي الضرر " " النساء: 95 "، فجعلهم الله من المؤمنين، وفضل عليهم المجاهدين بأعمالهم، ورأيت ألا تؤدي الأمانة إلى من خالفك، والله يأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله وانظر لنفسك، واتق يوماً: " لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو
جاز عن والده شيئاً " " لقمان: 33 "، فإن الله عز ذكره بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل، والسلام. فكتب إليه نافع: " بسم الله الرحمن الرحيم "، أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظني فيه وتذكرني، وتنصح لي وتزجرني، وتصف ما كنت عليه من الحق،
وما كنت أوثره من الصواب، وأنا أسأل الله جل وعز أن يجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعبت علي ما دنت به من إكفار القعد وقتل الأطفال واستحلال الأمانة، فسأفسر لك لم ذلك إن شاء الله. أما هؤلاء القعد فليسوا كمن ذكرت ممن كان
بعهد رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين، لا يجدون إلى الهرب سبيلاً، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقة، وهؤلاء قد فقهوا في الدين، وقرأوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفت ما قال الله عز جل فيمن كان مثلهم، إذ قالوا: " كنا
مستضعفين في الأرض " " النساء: 97 "، فقيل لهم: " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " " النساء: 97 "، وقال: " فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله " " التوبة: 81 "، وقال: " وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم "