عددهم ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا الى السوقة وتسرعوا الى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر ولذلك قال الاول الشعر أدنى مروءة السري وأسرى مروءة الدني قال ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبياني ولو
كان في الدهر الاول ما زاده ذلك الا رفعة وروى مجالد عن الشعبي قال ما رأيت مثلي ما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني بشيء الا لقيته وقال الحسن البصري يكون الرجل عابدا ولا يكون عاقلا ويكون عابدا عاقلا ولا يكون عالما وكان مسلم بن
يسار عاقلا عابدا عالما وكان يقال فقه الحسن وورع ابن سيرين وعقل مطرف وحفظ قتادة وذكرت البصرة فقيل شيخها الحسن وفتاها بكر بن عبد الله المزني والذين بثوا العلم في الدنيا اربعة قتادة والزهري والاعمش والكلبي وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري فغلب
قتادة الزهري فقيل لسليمان في ذلك فقال انه فقيه مليح فقال القحذمي لا ولكنه تعصب للقرشية ولانقطاعه اليهم ولروايته فضائلهم وكان الاصمعي يقول وصلت بالعلم ونلت بالملح وكان سهل بن هرون يقول اللسان البليغ والشعر الجيد لا يكاد ان يجتمعان في واحد وأعسر من ذلك
ان يجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم والمسجديون يقولون من تمنى رجلا حسن العقل وحسن اللسان وحسن القلم تمنى شيئا عسيرا باب إعابة العي والحمق وكانوا يعيبون النوك والعي والحمق وأخلاق النساء والصبيان قال الشاعر اذا ما كنت متخذا خليلا فلا تثقن بكل أخي إخاء فان
خيرت بينهم فألصق بأهل العقل منهم والحياء فان العقل ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من كفاء
فان النوك للأحساب غول وأهون دائه داء العياء ومن ترك العواقب مهملات فأيسر سعيه سعي العناء فلا تثقن بالنوكى لشيء ولو كانوا بني ماء السماء فليسوا قابلي أدب فدعهم وكن من ذاك منقطع الرجاء وقال الآخر في التضييع والنوك فعش في حد أنوك ساعدته مقادير
يخالفها الصواب ذهاب المال في حمد وأجر ذهاب لا يقال له ذهاب وأنشد في ذلك أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ولكنما يشقى به كل عاقل مشى فوقه رجلاه والرأس تحته فكب الأعالي بارتفاع الأسافل وقال الاخر ولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ولم أر مثل
المال أرفع للرذل ولم أر عزا لامرى ء كعشيرة ولم أر ذلا مثل نأي عن الأهل ولم أر من عدم أضر على امرى ء اذا عاش وسط الناس من عدم العقل وقال الآخر تحامق مع الحمقى اذا ما لقيتهم ولا تلقهم بالعقل ان كنت ذا
عقل فاني رأيت المرء يشقى بعقله كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل وقال الآخر وأنزلني طول النوى دار غربة اذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله فحامقته حتى يقال سجية ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقال بشر بن المعتمر وأنشد واذا الغبي رأيته مستغنيا أعيا
الطبيب وحيلة المحتال وأنشدني آخر وللدهر ايام فكن في لباسه كلبسته يوما أجد وأخلقا وكن اكيس الكيسى اذا كنت فيهم وان كنت في الحمقى فكن انت أحمقا وأنشدني آخر ولا تقربي يا بنت عمي بوهة من القوم دفناسا غبيا مفندا
وان كان اعطى رأس ستين بكرة وحكما على حكم وعبدا مولدا ألا فاحذري لاتوردنك هجمة طوال الذرى جبسا من القوم قعددا وأنشدني آخر كسا الله حيي تغلب ابنة وائل من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها اذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا عليها وردوا وفدهم يستقيلها وأنشدني
اخر وإن عناء ان تفهم جاهلا ويحسب جهلا انه منك افهم وقال جرير ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الامر الا تدبرا وقال الاعرج المعني الطائي لقد علم الاقوام أن قد قدرتم ولم تبدأ وهم بالمظالم أولا فكونوا كداعى كرة بعد فرة ألا رب
من قد فر ئمت أقبلا فان أنتم لم تفعلوا فتبدلوا بكل سنان معشر العرب مغزلا وأعطوهم حكم الصبي بأهله واني لأرجو ان يقولوا بأن لا وأنشد ولا تحكما حكم الصبي فانه كثير على ظهر الطريق مجاهله سئل دغفل عن بني عامر فقال اعناق ظباء وأعجاز
نساء قيل فما تقول في أهل اليمن قال سيد وأنوك باب في ذكر المعلمين من امثال العامة أحمق من معلم كتاب وقد ذكرهم صقلاب فقال وكيف يرجى العقل والرأي عند من يروح على انثى ويغدو على طفل وفي قول بعض الحكماء لا تستشيروا معلما ولا
راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء وقال لا تدع أم صبيك تضربه فانه أعقل منها وان كانت أسن منه وقد سمعنا في الامثال أحمق من راعي ضان ثمانين فاما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة
الانبياء عليهم السلام ولعمري ان الفدادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتلومون على رعاة الغنم ويقول احدهم لصاحبه ان كنت كاذبا فحلبت قاعدا وقال الآخر ترى حالب المعزى اذا سر قاعدا وحالبهن القائم المتطاول قالت امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدم لجمع غامد
وحده ألا هل أتاها على نأيها بما فضحت قومها غامد تمنيتم مائتي فارس فردكم فارس واحد فليت لنا بارتباط الخيول ضأنا لها حالب قاعد وقد سمعنا قول بعضهم الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين قال والحاكة أقل وأسقط من ان يقال لهم حمقى وكذلك الغزالون لان
الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال الا ان يجعل جودة الحياكة من هذا الباب وليس هو من هذا في شيء باب آخر في الحمق ويقال فلان أحمق فاذا قالوا مائق فليس يريدون
ذلك المعنى بعينه وكذلك اذا قالوا أنوك وكذلك اذا قالوا رقيع ويقولون فلان سليم الصدر ثم يقولون غبي ثم يقولون أبله وكذلك اذا قالوا معتوه ومسلوس وأشباه ذلك قال ابو عبيدة يقال للفارس شجاع فاذا تقدم ذلك قيل بطل فاذا تقدم شيئا قيل بهمة فاذا
صار الى الغاية قيل اليس قال العجاج أليس عن حوبائه سخي وهذا المأخذ يجري في الصفات كلها من جود وبخل وصلاح وفساد ونقصان ورجحان وما زلت اسمع هذا القول في المعلمين والمعلمون عندي على ضربين منهم رجال ارتفعوا عن تعليم اولاد العامة الى تعليم اولاد
الخاصة ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة الى تعليم اولاد الملوك انفسهم المرشحين للخلافة فكيف تستطيع ان تزعم ان مثل علي بن حمزة الكسائي ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب واشباه هؤلاء يقال لهم حمقى ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على
الطبقة التي دونهم فان ذهبوا الى معلمي كتاتيب القرى فان لكل قوم حاشية وسفلة فما هم في ذلك الا كغيرهم وكيف تقول مثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء مثل الكميت بن زيد وعبد الحميد الكاتب وقيس بن سعد وعطاء بن أبي رباح ومثل
عبد الكريم بن ابي أمية وحسين المعلم وابي سعيد المعلم ومن المعلمين الضحاك بن مزاحم ابو معبد الجهني وعامر الشعبي فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان وكان ابو معبد يعلم سعيدا ومنهم ابو سعيد المؤدب وهو غير ابي سعيد المعلم وكان يحدث عن هشام
بن عروة وغيرهم ومنهم عبد الصمد بن عبد الاعلى وكان معلم ولد عتبة بن ابي سفيان وكان اسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلمه وكان ابو بكر عبد الله بن كيسان معلما ومنهم محمد بن السكن وما كان عندنا بالبصرة رجلان
ادرى بصنوف العلم ولا احسن بيانا من ابي الوزير وابي عدنان المعلمين وحالهما من اول ما اذكر من ايام الصبا وقد قال الناس في ابي البيداء وفي ابي عبد الله الكاتب وفي الحجاج بن يوسف وابيه ما قالوا وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من
الشعر على ان الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف ثم رجع بنا القول الى الكلام الاول قالوا احق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل وكتب الحجاج الى المهلب يعجله في حرب الازارقة ويسمعه فكتب اليه المهلب ان البلاء كل البلاء اي يكون الرأي لمن يملكه
دون من يبصره باب في التشادق والاغراق في القول قال بعض الربانيين من الادباء واهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمق ويبغض الاغراق في القول والتكلف والاجتلاب ويعرف اكثر ادواء الكلام ودوائه وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول وما يعرض للسامع من
الافتتان بما يسمع والذي يورث الاقتدار من التحكم والتسلط والذي يمكن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني والخلابة وحسن المنطق وقال في بعض مواعظه أنذركم حسن الالفاظ وحلاوة مخارج الكلام فان المعنى اذا اكتسى لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا ومنحه المتكلم قولا متعشقا صار في
قلبك احلى ولصدرك أملا والمعاني اذا كسيت الالفاظ الكريمة وألبست الاوصاف الرفيعة تحولت في العيون عن مقادير صورها وأربت على حقائق اقدارها بقدر ما زينت وعلى حسب ما زخرفت فقد صارت الالفاظ في معنى المعارض وصارت المعاني في معنى الجواري والقلب ضعيف وسلطان الهوى قوي
ومدخل خدع الشيطان خفي فاذكر هذا الباب ولا تنسه وتأمله ولا تفرط فيه فان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يقل للاحنف بعد ان احتبسه حولا مجرما ليستكثر منه وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه ان رسول الله قد كان خوفنا كل
منافق عليم وقد خفت ان تكون منهم إلا لما كان راعه من حسن منطقه ومال اليه لما رأى من رفقه وقلة تكلفه ولذلك قال رسول الله ان من البيان لسحرا وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتي لها بكلام وجيز ومنطق
حسن هذا والله السحر الحلال وقال رسول الله لا خلابة فالقصد من ذلك ان تجتنب السوقي والوحشي ولا تجعل همك في تهذيب الالفاظ وشغلك في التخلص الى غرائب المعاني وفي الاقتصار بلاغ وفي التوسط مجانبة للوعورة والخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه وقد قال
الشاعر عليك بأوساط الامور فانها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال الآخر لا تذهبن في الامور فرطا لا تسألن ان سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا وليكن كلامك بين المقصر والغالي فانك تسلم من الهجنة عند العلماء ومن فتنة الشيطان وقال أعرابي للحسن
علمني دينا وسطا لا ذاهبا شطوطا ولا هابطا هبوطا فقال الحسن لئن قلت ذاك ان خير الامور أوسطها وجاء في الحديث خالطوا الناس وزايلوهم وقال عبد الله بن مسعود في خطبته وخير الامور أوساطها وما قل وكفى خير مما كثر وألهى نفس تنجيها خير من
إمارة لا تحصيها وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه كن في الدنيا وسطا وامش جانبا وكانوا يقولون إكره الغلو كما تكره التقصير وكان رسول الله يقول لأصحابه قولوا بقولكم ولا يستحوذن عليكم الشيطان وكان يقول و هل يكب الناس على مناخرهم في نار
جهنم الا حصائد ألسنتهم باب من الخطب القصار من خطب السلف ومواعظ النساك وتأديب من تأديب العلماء قال رجل لأبي هريرة النحوي أريد ان أتعلم العلم وأخاف ان أضيعه قال كفى بترك العلم إضاعة وسمع الأحنف رجلا يقول التعلم في الصغر كالنقش في الحجر فقال
الاحنف الكبير اكبر الناس عقلا ولكنه أشغل قلبا وقال أبو الدرداء مالي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون وقال رسول الله ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير
علم فضلوا وأضلوا ولذلك قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه حين دلى زيد بن ثابت في القبر من سره ان يرى كيف ذهاب العلم فلينظر فهكذا ذهابه وقال بعض الشعراء لبعض العلماء أبعدت من يومك الفرار فما جاورت حيث انتهى بك القدر
لوكان ينجي من الردى حذر نجاك مما أصابك الحذر يرحمك الله من أخي ثقة لم يك في صفو وده كدر فهكذا يفسد الزمان ويفنى نى العلم منه ويدرس الأثر وقال قتادة لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام اذ قال