أحد ومن ذلك قولهم فلان يفل المحز ويصيب المفصل ويضع الهناء مواضع النقب وقال زرارة بن جزء حين أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتكلم عنده ورفع حاجته اليه أتيت أبا حفص ولا يستطيعه من الناس الا كالسنان طرير فوفقني الرحمن لما لقيته وللباب
من دون الخصوم صرير قروم غيارى عند باب ممنع تنازع ملكا يهتدي ويجور فقلت له قولا أصاب فؤاده وبعض كلام القائلين غرور وفي شبيه ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول
رجال أصحاء الجلود من الخنا وألسنة معروفة أين تذهب وفي اصابة فص الشيء وعينه يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الاشعري تناخي عند خير فتى يمان اذا النكباء عارضت الشمالا وخيرهم مآثر أهل بيت وأكرمهم وإن كرموا فعالا وأبعدهم مسافة غور عقل
إذا ما الأمر في الشبهات عالا ولبس بين أقوام فكل أعد له الشغازب والمحالا وكلهم ألد له كظاظ أعد لكل حال القوم حالا فصلت بحكمة فأصبت منها فصوص الحق فانفصل انفصالا وكان ابو سعيد الراي وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة فقال الشاعر عندي مسائل
لا شرشير يحسنها عند السؤال ولا أصحاب شرشير ولا يصيب فصوص الحق تعلمه إلا حنيفية كوفية الدور ومما قالوا في الايجاز وبلوغ المعاني بالالفاظ اليسيرة قال ثابت بن قطنة مازلت بعدك في هم يجيش به صدري وفي نصب قد كاد يبليني إني تذكرت قتلى لو
شهدتهم في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني لا أكثر القول فيما يهضبون به من الكلام قليل منه يكفيني وقال رجل من طيء ومدح كلام رجل فقال هذا كلام يكتفي بأولاه ويشتفي بآخره وقال ابو وجرة السعدي من سعد بن بكر يصف كلام رجل يكفي
قليل كلامه وكثيره ثبت اذا طال النضال مصيب ومن كلامهم الموجز في أشعارهم قول العكلي في صفة قوس في كفه معطية منوع موثقة صابرة جزوع وقال الاخر ووصف سهم رام أصاب حمارا فقال حتى نجا من جوفه ومانجا وقال الآخر وهويصف ذئبا أطلس يخفي شخصه
غبارة في شدقه شفرته وناره وهو الخبيث عينه فراره بهم بنى محارب مزدارة
ووصف الآخر ناقة فقال خرقاء إلا أنها صناع وقال الآخر ووصف سهما صاردا ألقى على مفطوحا غادر داء ونجا صحيحا وقال الآخر إنك يا ابن جعفر لا تفلح الليل أخفى والنهار أفضح وقالوا في المثل الليل أخفى للويل وقال رؤبة يصف حمارا حشرج في الجوف
سحيلا أو سهق حتى يقال ناهق وما نهق وقال بعض ولد العباس بن مرداس السلمى في فرس أبي الاعور السلمى جاء كلمح البرق جاش ناظره يسبح أولاه ويطفو آخره فيما يمس الارض منه حافرة وقال الآخر إن سرك الأهون فابدأ بالأشد وقال العجاج يمكن السيف
إذا الرمح انأطر من هامة الليث إذا الليث هتر كجمل البحر إذا خاض جسر غوارب اليم اذا اليم هدر حتى يقال جاسر وما جسر وقال الآخر يا دار قد غيرها بلاها كأنما بقلم محاها أخر بها عمران من بناها وكر ممساها على مغناها وطفقت سحابة
تغشاها تبكي على عراصها عيناها قوله أخر بها عمران من بناها يقول عمرها بالخراب وأصل العمران مأخوذ من العمر وهو البقاء فاذا بقي الرجل في داره فقد عمرها فيقول ان مدة بقائه فيها أبلت منها لان الايام مؤثرة في الاشياء بالنقص والبلاء فلما بقي الخراب
بها وقام مقام العمران في غيرها سمي بالعمران وقال غيره يا عجل الرحمن بالعذاب لعامرات البيت بالخراب يعني الفأر يقول هذا عمرانها كما يقول الرجل ما نرى من خيرك ورفدك الا ما يبلغنا من خطبك علينا وفتك في أعضادنا وقال الله عزوجل هذا نزلهم يوم
الدين والعذاب لا يكون نزلا ولكنه لما أقام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم سمي باسمه وقال الآخر فقلت أطعمني عمير تمرا فكان تمري كهرة وزبرا والتمر لا يكون كهرة وزبرا ولكنه على ذا وقال الله عز وجل ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا وليس في
الجنة بكرة ولا عشي ولكن على مقدار البكر والعشيات وعلى هذا قول الله عز وجل وقال الذين في النار لخزنة جهنم والخزنة الحفظة وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها انسان فيمنع منها ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به وقال
أبو عمرو بن العلاء اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز فقال أحدهم قول حميد بن ثور الهلالي وحسبك داء أن تصح وتسلما ولعل حميدا أخذه عن النمر بن تولب قال النمر يحب الفتى طول السلامة والغنى فكيف ترى
طول السلامة يفعل وقال أبو العتاهية أسرع في نقض أمر تمامه ذهب الى كلام الاول كل ما أقام شخص وكل ما ازداد نقص ولو كان الناس يميتهم الداء إذا لأعاشهم الدواء وقال الثاني من الرواة الثلاثة بل قول أبي خراش الهذلي نوكل بالأدنى وإن حل
ما يمضي وقال الثالث بل قول أبي ذؤيب الهذلي وإذا ترد إلى قليل تقنع فقال قائل هذا من مفاخر هذيل ان يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف إثنان منها لهذيل وحدها فقيل لهذا القائل إنما كان الشرط ان
يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغني بنفسه ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الاول لانك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الاول وسمع وإذا ترد الى قليل تقنع قال ومن هذه التي ترد الى قليل فتقنع
وليس المضمن كالمطلق وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم وانما الرواية قوله والدهر ليس بمعتب من يجزع ومما مدحوا به الايجاز والكلام الذي كالوحي والاشارة قول أبي دؤاد ابن جرير الايادي يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء فمدح كما ترى الاطالة في
موضعها والحذف في موضعه ومما يدل على شغفهم وكلفهم وشدة حبهم للفهم والافهام قول الاسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها بأقل اللفظ وأوجزه فوصف أيجاز الناعت وسرعة فهم المنعوت له فقال بضربة نعت لم تعد غير
أنني عقول لأوصاف الرجال ذكورها وهو كقولهم لابن عباس أنى لك هذا العلم قال قلب عقول ولسان سؤول وقد قال الراجز ومهمهين فدفدين مرتين جبتهما بالنعت لا بالنعتين وقالوا في التحذير من ميسم الشعر ومن شدة وقع اللسان ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو قال
امرؤ القيس بن حجر ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد وقال طرفة بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم قال وأنشدني محمد بن زياد لحوت شماسا كما تلحى العصي سبا لو أن السب يدمي لدمي من نفر كلهم نكس دني محامد
الرذل مشاتيم السري مخابط العكم مواديع المطي متارك الرفيق بالخرق النطي وانشد محمد بن زياد تمنى أبو العفاق عندي هجمة تسهل مأوى ليلها بالكلاكل ولا عقل عندي غير طعن نوافز وضرب كأشداق الغصال الهوادل
وسب يود المرء لو مات قبله كصدع الصفا فلقته بالمعلول
وقال طرفة رأيت القوافي يتلجن موالجا تضايق عنها ان تولجها الإبر وقال الأخطل حتى أقروا وهم مني على مضض والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر وقال العماني إذ هن في الريط وفي الموادع ترمى اليهن كبذر الزارع وقالوا الحرب أولها شكوى وأوسطها نجوى واخرها بلوى وكتب
نصر بن سيار الى ابن هبيرة أيام تحرك أمير السواد بخراسان أرى خلل الرماد وميض جمر فيوشك ان يكون له اضطرام فان النار بالعودين تذكى وان الحرب أولها كلام فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام فان كانوا لحينهم نياما فقل قوموا فقد
حان القيام وقال بعض المولدين إذا نلت العطية بعد مطل فلا كانت وان كانت جزيله وسقيا للعطية ثم سقيا اذا سهلت وان كانت قليله وللشعراء ألسنة حداد على العورات موفيه دليله ومن عقل الكريم اذا اتقاهم وداراهم مداراة جميله اذا وضعوا مكاذبهم عليه وان كذبوا
فليس لهن حيله وقالوا مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها ومما قالوا في صفة اللسان قول الاسدي أنشدنيها ابن الأعرابي وأصبحت أعددت للنائبات عرضا بريئا وعضبا صقيلا ووقع لسان كحد السنان ورمحا طويل القناة عسولا وقال الأعشى أدافع عن أعراضكم وأعيركم لسانا كمقراض الخفاجي ملحبا وقال ابن
هرمة قل للذي ظل ذا لونين يأكلني لقد خلوت بلحم عارم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجم نكلا ينكل قراصا من اللجم إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله كفاي لكن لساني صائغ الكلم وقال الراجز إني بغيت الشعر وابتغاني حتى وجدت الشعر في مكاني في عيبة مفتاحها لساني وأنشد إني وإن كان إزاري خلقا وبردتاي سملا
قد أخلقا قد جعل الله لساني مطلقا بسم الله الرحمن الرحيم معنى البلاغة قال أبو عثمان والعتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه بالكلام الملحون والمعدول عن جهته والمصروف من
حقه انه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد ان نكون قد فهمنا عنه معنى كلام النبطي الذي قيل له لم اشتريت هذه الأتان قال أركبها وتلد لي وقد علمنا ان معناه كان صحيحا وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لاهل مجلسه ما من شر
من دين وانه قال حين قيل له ولم ذاك يا أبا فلان قال من جرى يتعلقون وما نشك انه قد ذهب مذهبا وانه كما قال معنى قول أبي الجهير الخرساني النخاس حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان قال شريكاتنا في هوازها
وشريكاتنا في مداينها وكما تجيء تكون قال الحجاج ما تقول ويلك فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك يقول شركاؤنا بالاهواز والمدائن يبعثون الينا بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها وقلت لخادم لي في اي صناعة
أسلم هذا الغلام قال أصحاب سند نعال يريد في اصحاب النعال السندية وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه اكتب لي قل حطين وريحني منه فمن زعم ان البلاغة ان يكون السامع يفهم معنى القائل جعل الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والاغلاق والابانة والملحون والمعرب كله
سواء وكله بيانا وكيف يكون ذلك كله بيانا ولولا طول مخالطة السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام لما عرفه ونحن لم نفهم عنه الا للنقص الذي فينا وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي
وان كان هذا الاسم انما يستحقونه بأنا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم فنحن قد نفهم من حمحمة الفرس كثيرا من حاجاته ونفهم بضغاء السنور كثيرا من ارادته وكذلك الكلب والحمار والصبي الرضيع وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجرى كلام الفصحاء وأصحاب هذه اللغة
لا يفقهون قول القائل منها مكرة أخاك لا بطل وإذا عز أخاك فهن ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم ذهبت الى أبو زيد ورأيت أبي عمرو ومتى وجد النحويون اعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه لأن ذلك يدل على طول إقامته في
الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان لأن تلك اللغة انما انقادت واستوت واطردت وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة ولفقد الخطأ من جميع الامم ولقد كان بين يزيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على
انه قد كان وضع منزله في اخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين وزعم أصحابنا البصريون عن ابي عمرو بن العلاء انه قال لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج وكان ما زعموا لا يبرئهما من اللحن وزعم أبو العاصي
انه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه وفيما يجري بينه وبين الناس إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي ومن ابي سعيد المعلم وقد روى أصحابنا ان رجلا من البلدتين قال لاعرابي كيف أهلك قالها بكسر اللام قال صلبا لانه أجابه على فهمه