ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 12 من 45

البيان والتبيين — المجلد الرقمي الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 12 من 451,798 كلمة في هذا الجزء

بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة ومهما اخطأك لم يخطئك ان يكون مقبولا قصدا وخفيفا على اللسان سهلا وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه وإياك والتوعر فان التوعر يسلمك الى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك ومن أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا

كريما فان حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ومن حقهما ان تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما وعما تعود من اجله الى ان تكون اسوأ حالا منك قبل ان تلتمس اظهارهما وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما وكن في ثلاث منازل فان أولى الثلاث ان يكون لفظك رشيقا عذبا

وفخما سهلا ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا إما عند الخاصة ان كنت للخاصة قصدت وإما عند العامة ان كنت للعامة أردت والمعنى ليس يشرف بان يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بان يكون من معاني العامة وإنما مدار الشرف على الصواب واحراز المنفعة

مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال وكذلك اللفظ العامي والخاصي فان امكنك ان تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك على ان تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الالفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجفو عن الاكفاء

فانت البليغ التام قال بشر فلما قرئت على ابراهيم قال لي أنا احوج الى هذا من هؤلاء الفتيان قال ابو عثمان اما انا فلم أر قط امثل طريقة في البلاغة من الكتاب فانهم قد التمسوا من الالفاظ ما لم يكون متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا

واذا سمعتموني أذكر العوام فاني لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة ولست أعني الاكراد في الجبال وسكان الجزائر في البحار ولست أعني من الامم مثل اليبر والطيلسان ومثل موقان وجيلان ومثل الزنج وأمثال الزنج وانما الامم المذكورون من جميع الناس أربع العرب وفارس والهند والروم

والباقون همج وأشباه الهمج وأما العوام من اهل ملتنا ودعوتنا ولغتنا وادبنا واخلاقنا فالطبقة التي عقولها واخلاقها فوق تلك الامم ولم يلبغوا منزلة الخاصة منا على ان الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا ثم رجع بنا القول الى بقية كلام بشر بن المعتمر والى ما ذكر

من الاقسام قال بشر فان كانت المنزلة الاولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسنح لك عند اول نظرك وفي اول تكلفك وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر الى قرارها والى حقها من اماكنها المقسومة لها والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تصل

بشكلها وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الاماكن والنزول في غير اوطانها فانك اذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك احد وان انت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك بصيرا

مما عليك أو مالك عابك من انت اقل عيبا منه ورأى من هو دونك انه فوقك فان ابتليت بان تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في اول وهلة وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر ودعه بياض يومك أوسواد ليلك وعاوده

عند نشاطك وفراغ بالك فانك لا تعدم الاجابة والمواتاة ان كانت هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على عرق فان تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ومن غير طول اهمال فالمنزلة الثالثة ان تتحول من هذه الصناعة الى اشهى الصناعات اليك واخفها

عليك فانك لم تشتهه ولم تنازع اليه الا وبينكما نسب والشيء لا يحن الا الى ما يشاكله وان كانت المشاكلة قد تكون في طبقات لان النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة والشهوة فهكذا هذا وقال

ينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين وبين اقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ويقسم اقدار المعاني على اقدار المقامات واقدار المستمعين على اقدار تلك الحالات فان

كان الخطيب متكلما تجنب الفاظ المتكلمين كما انه ان عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا كان اولى الالفاظ به الفاظ المتكلمين اذ كانوا لتلك العبارات أفهم والى تلك الالفاظ أميل واليها أحن وبها أشغف ولان كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا

فوق اكثر الخطباء وابلغ من كثير من البلغاء وهم تخيروا تلك الالفاظ لتلك المعاني وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الاسماء وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف وقدوة لكل تابع ولذلك قالوا

العرض والجوهر وأيس وليس وفرقوا بين البطلان والتلاشي وذكروا الهذية والهوية والماهية واشباه ذلك وكما وضع الخليل ابن احمد لاوزان القصيد وقصار الارجاز القابا لم تكن العرب تتعارف تلك الاعاريض بتلك الالقاب وتلك الاوزان بتلك الاسماء كما ذكر الطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل واشباه ذلك

وكما ذكر الاوتاد والاسباب والخرم والزحاف وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والاقواء والاكفاء ولم اسمع الايطاء وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب وذكروا حروف الروي والقوافي وقالوا هذا بيت وهذا مصراع وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره لم أقو فيهن ولم أساند وقال

ذو الرمة وشعر قد أرقت له غريب أجانبه المساند والمحالا وقال أبو حزام العكلي بيوتا نصبنا لتقويمها جذول الربيئين في المربأه بيوتا على الهالها سجحة بغير السناد ولا المكفأه وكما سمى النحويون فذكروا الحال والظرف وما أشبه ذلك لانهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم

يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا اسماء وجعلوها علامات للتفاهم قالوا وقبيح بالخطيب ان يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين أو على منبر جماعة أو في سدة دار الخلافة أو في يوم جمع وحفل إما في اصلاح بين

العشائر واحتمال دماء القبائل واستلال تلك الضغائن والسخائم فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشان رفيع المكان ثم ان الله عز وجل بعد ان أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم فتلاشوا ولولا ان المتكلم افتقر الى ان يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي ان

يؤخذ فوق يده وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته واخرجه الله من باب الليسية فأدخله في باب الايسية وقال مرة اخرى في خطبة له هذا فريق ما بين السار والضار والدفاع وقال مرة اخرى فدل ساتره على غامره ودل غامره على منحله

فكاد ابرهيم ابن السندى يطير شفقا ويتقد غيظا هذا وابراهيم من المتكلمين والخطيب لم يكن من المتكلمين وانما جازت هذه الالفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الاسماء عن اتساع المعاني وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر ابي نواس وفي كل ما قالوه على

جهة التظرف والتملح كقول أبي نواس وذات خد مورد قوهية المتجرد تأمل العين منها محاسنا ليس تنفد فبعضها قد تناهى وبعضها يتولد والحسن في كل عضو منها معاد مردد وكقوله يا عاقد القلب مني هلا تذكرت حلا تركت قلبي قليلا من القليل أقلا يكاد لا

يتجزا أقل في اللفظ من لا وقد يتلمح الاعرابي بان يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية كقول العماني للرشيد في قصيدته التي مدحه فيها من يلقه من بطل مسرند في زغفة محكمة بالسرد يجول بين رأسه والكرد يعني العنق ويقول فيه أيضا

لما هوى بين غياض الاسد وصار في كف الهزبر الورد آلى يذوق الدهر آب سرد وكقول الاخر وولهني وقع الأسنة والقنا وكافر كوبات لها عجز قفد بأيدي رجال ما كلامي كلامهم يسومونني مردا وما أنا والمرد ومثل هذا موجود في شعر العذافر الكندي وغيره ويجوز

أيضا ان يكون الشعر مثل شعر الحروشاذ وأسود بن أبي كريمة كما قال يزيد بن ربيعة ابن مفرغ آب ست نبيذ است عصارات زبيب است سمية روسبيد است وقال أسود بن أبي كريمة لزم الغرام ثوبي بكرة في يوم سبت فتمايلت عليهم ميل زنكي بمست

قد حسا الداذي صرفا أو عقارا بايخست ثم كفتم ذو زياد ويحكم ان خر كفت إن جلدي دبغته أهل صنعاء بحفت وأبو عمرة عندي ان كور يذنمست جالس اندر مكناد ايا عمد بنهشت وكما لا ينبغي ان يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا فكذلك لا ينبغي

ان يكون غريبا وحشيا الا ان يكون المتكلم بدويا اعرابيا فان الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي وكلام الناس في طبقات كما ان الناس أنفسهم في طبقات فمن الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والسميح والخفيف والثقيل وكله عربي

وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا قال زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل ولا بينهم في ذلك تفاوت فلم ذكروا الغيبي والبكي والحصر والمفحم والخطل والمسهب والمتشدق والمتفهق والمهماز والثرثار والمكثار والمهماز ولم ذكروا الهجر والهذر والهذيان والتخليط وقالوا رجل تلقاعة وتلهاعة

وفلان يتلهيع في خطبته وقالوا فلان يخطى ء في جوابه ويحيل في كلامه ويناقض في خبره ولولا ان هذه الامور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الاسماء وانا أقول انه ليس في الارض كلام هو أمتع ولا

أنفع ولا انق ولا ألذ في الاسماع ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الاعراب الفصحاء العقلاء والعلماء البلغاء وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا الا أني ازعم ان سخيف الالفاظ مشاكل لسخيف المعاني وقد

يحتاج الى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم ومن الالفاظ الشريفة الكريمة المعاني كما ان النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا وانما الكرب الذي يخيم على القلوب ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا

هي باردة وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط وانما الشأن في الحار جدا والبارد جدا وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول والله لفلان أثقل من مغن وسط وأبغض من ظريف وسط ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الاعراب فاياك وان تحكيها الا مع إعرابها

ومخارج ألفاظها فانك ان غيرتها بان تلحن في اعرابها وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير وكذلك اذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام فاياك وأن تستعمل فيها الاعراب أو ان تتخير لها لفظا حسنا أو

تجعل لها من فيك مخرجا سريا فان ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويذهب استطابتهم اياها واستملاحهم لها ثم اعلم ان اقبح اللحن لحن اصحاب التقعير والتقعيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم وأقبح من ذلك لحن الاعاريب النازلين على طرق السابلة

وبقرب مجامع الاسواق ولاهل المدينة السنة ذلقة والفاظ حسنة وعبارة جيدة واللحن في عوامهم فاش وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب واللحن من الجواري الظراف ومن الكواعب النواهد ومن الشواب الملاح ومن ذوات الخدور الغرائر أيسر وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم

تكن الجارية صاحبة تكلف ولكن اذا كان اللحن سجية سكان البلد وكما يستملحون اللثغاء اذا كانت حديثة السن ومقدودة مجدولة فاذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح وربما كان اسم الجارية غليم وصبية وما اشبه ذلك فاذا صارت كهلة جزلة وعجوزا شهلة وحملت اللحم وتراكم عليها

الشحم وصار بنوها رجالا وبناتها نساء فما أقبح حينئذ ان يقال لها يا غليم كيف أصبحت ويا صبية كيف أمسيت ولأمر ما كنت العرب البنات فقالوا فعلت ام الفضل وقالت ام عمرو وذهبت ام حكيم نعم حتى دعاهم ذلك الى التقدم في تلك الكنى وقد

فسرنا ذلك كله في كتاب الاسماء والكنى والالقاب والانباز وقد قال مالك بن أسماء في استملاح اللحن من بعض نسائه أمغطى مني على بصري للحب ام أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيانا وأحلى الحديث ما

كان لحنا وهم يمدحون الحذق والرفق والتخلص الى حبات القلوب والى إصابة عيون المعاني ويقولون أصاب الهدف اذا أصاب الحق في الجملة ويقولون قرطس فلان وأصاب القرطاس اذا كان أجود اصابة من الاول فاذا قالوا رمى فاصاب الغرة وأصاب عين القرطاس فهو الذي ليس فوقه