ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 48 من 49

مقامات بديع الزمان الهمذاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 48 من 491,716 كلمة في هذا الجزء

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 84.298 1 قالب:مقامات_الهمذاني 100.00% 84.298 1 -total 98.26% 82.828 1 قالب:Navbox 1.83% 1.539 50 قالب:•

Render ID b097c117-abc0-11f1-bb8e-3d37745c4cff

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:1866:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260908200551 and revision id 601176. Rendering was triggered because: diff-page

المقامة الوعظية

حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: بَيْنَا أَنا بِالْبَصْرَةِ أَمِيسُ، حَتَّى أَدَّانِي السَّيْرُ إِلَى فُرْضَةٍ قَدْ كَثُرَ فِيها قَوْمٌ عَلَى قَائِمٍ يَعِظُهُمْ وَهْوَ يَقُولُ: أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ لَمْ تُتْرَكُوا سُدَى، وَإِنَّ مَعَ اليَوْمِ غَداً، وَإِنَّكُمْ وَاردُو هُوَّةٍ، فَأِعُّدوا لهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَإِنَّ بَعْدَ المَعَاشِ مَعاداً، فَأَعِدُّوا لهُ زَاداً، أَلا لاَ عُذْرَ فَقَدْ بُيِّنَتْ لَكُمُ المَحَجَّةُ، وَأَخِذَتُ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، مِنَ السَّماءِ بِالخَبَرِ، وَمِنَ الأَرْضِ بَالعِبَرِ، أَلا وَإِنَّ الَّذِي بَدَأَ الخَلْقَ عَلِيماً، يُحْيِ العَظامَ رَمِيماً، أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا دَارُ جَهَازٍ، وَقَنْطَرَةُ جَوَازٍ، مَنْ عَبَرَها سَلِمَ، وَمَنْ عَمَرها

نَدِمَ، أَلا وَقَدْ نَصَبَتْ لَكُمُ الفَخَّ وَنَثرَتْ لَكُمُ الْحَبَّ؛ فَمَنْ يَرْتَعْ، يَقَعْ، وَمَنْ يَلْقُطْ، يَسْقُطْ، أَلا وَإِنَّ الفَقْرَ حِلْيَةُ نَبِيِّكُمْ فَاكْتَسُوهَا، وَالغِنى حُلَّةُ الطُّغْيَانِ فَلاَ تَلْبَسُوها، كَذَبَتْ ظُنْونُ المُلْحِدِينَ، الَّذَينَ جَحَدُوا الدِّينَ، وَجَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، إِنَّ بَعْدَ الحَدثِ جَدَثاً، وَإنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا عَبَثاً، فَحَذَارِ حَرَّ النَّارِ، وَبَدَارَ عُقْبَى الدَّارِ، أَلا وَإِنَّ العِلْم أَحْسَنُ علَىَ عِلاَّتِهِ، وَالجَهْلَ أَقْبَحُ عَلَى حَالاتِهِ، وَإِنَّكُمْ أَشْقَى مَنْ أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، إِنْ شَقِيَ بِكُمُ العُلماءُ، النَّاسُ بِأَئِمَّتِهمْ، فإِنِ انْقَادُوا بِأَزِمَّتِهِمْ، نَجَوْا بِذِمَّتِهمْ، وَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: عَالِمٌ يَرْعَى، وَمُتَعَلِّمٌ يَسْعَى، وَالبَاقُونَ هامِلُ نَعامٍ، وَرَاتِعُ

أَنْعَامٍ، وَيْلُ عَالٍ أُمِرَ مِنْ سَافِلِهِ، وَعَالِمِ شَيْءٍ مِنْ جاهِلِهِ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ عَلِيَّ بْنُ الحُسَيْنِ كَانَ قَائِماً يَعِظُ النَّاسَ وَيَقُولُ: يا نَفْسُ حَتَّامَ إِلى الحَياةِ رُكُونُكِ، وَإِلَى الدُّنْيَا وَعِمَارَتِهَا سُكُوُنُكِ؟ أَما اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلاَفِكِ، وَبِمَنْ وَارَتْهُ الأَرْضُ مِنْ أُلاَّفِكِ، وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى دَارِ البِلَى مِنْ أَقْرانِكِ؟؟

فُهْم في بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ ظهورها *** مَحاسِنُهُمْ فِيهَا بَوَالٍ دَوَاثِرُ

خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْ *** وَسَاقَتْهُمُ نَحْوَ المَنايَا المَقادِرُ

وَخَلُّوْا عَنِ الدُّنْيا وِما جَمَعُوا لهَا *** وَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّرابِ الحَفائِرُ

كَمْ اخْتَلَسَتْ أَيْدي المَنُونِ، مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ؟ َوكَمْ غَيَّرَتْ بِبِلاهَا، وَغَيَّبَتْ أَكْثَرَ الرِّجَالِ في ثَرَاها؟؟؟

وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيا مُكِبٌ مٌنافِـسٌ *** لِخُطَّابِها فيها حَريصٌ مُكاثِـرُ

عَلَى خَطَرٍ تَمْشِي وَتُصْبِحُ لاهِياً *** أَتَدْري بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخاطِـرُ

وَإِنِ امْرَؤٌ يَسْعى لِدُنْياهُ جـاهِـداً *** وَيُذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لا شَكَّ خَاسِرُ

انْظُرْ إِلى الأُمَمِ الخَالِيةِ، وَالمُلُوكِ الفَانِيَةِ، كَيْفَ انْتَسَفَتْهُمُ الأَيَّامُ، وَأَفْنَاهُمُ الحِمَامُ؟ فَانْمَحَتْ آثارُهُمْ، وَبَقِيَتْ أَخْبارُهمْ.

فَأَضْحَوْا رَمِيماً في التُّرَابِ وَأَقْفَرَتْ *** مَجالِسُ مِنْهُمْ عُطِّلَتْ وَمَقَاصِرُ

وَخَلَّوْا عَنِ الدُّنْيَا وَما جَمَعُوا بِها *** وَما فَازَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَنْ هُوَ صَابِرُ

وَحَلوا بِدَارٍ لاَ تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ *** وَأَنَّى لِسُكَّانِ القُبورِ التزَاوُرُ

فَمَا إِنْ تَرَى إِلاَّ رُمُوساً ثَوَوْا بِها *** مُسَطَّحَةً تًسْفِي عَلَيْها الأَعَاصِرُ

كَمْ عَايَنْتَ مِن ذِي عِزَّةٍ وَسُلْطانٍ، وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، قَدْ تَمكَّنَ مِنْ دُنْياهُ، وَنالَ مِنْهَا مُنَاهُ، فَبَنَى الحُصُونَ وَالدَّسَاكِرَ، وَجَمَعَ الأَعْلاَقَ وَالعَساكِرَ

فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ المَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ *** مُبادِرَةً تًهْوِى إِلَيْهِ الـذَّخـائِرُ

وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الحُصونُ الَّتي بَنَـى *** وَحَفَّتْ بِها أَنْهارُها والـدَّسـاكِـرُ

وَلا قَارَعَتْ عَنْهُ الـمَـنِـيَّةَ حِـيلَةٌ *** وَلا طَمِعَتْ في الذَّبِّ عَنْهُ العَساكِرُ

يا قَوْمُ الحَذَرَ الحَذَرَ، وَالبِدارَ البِدارَ، مِنْ الدُّنْيا وَمَكايدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لكُمْ من مَصايِدِها، وَتَجَلَّتْ لَكُمْ مِنْ زِينَتِها، واسْتَشْرَفَتْ لَكُمْ مِنْ بَهْجَتِهَا.

وَفي دُونِ مَاعَاَينْتَ مِنْ فَجَعاتِهَا *** إِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَبالزُّهْدِ آمِرُ

فَجِدَّ وَلا تَغْفُلْ فَعَـيْشُـكَ بَـائِدٌ *** وَأَنْتَ إِلَى دارِ المَنِيَّةِ صـائِرُ

وَلا تَطْلُبِ الدُّنْيا فَإِنَّ طِلابَـهـا *** وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا رَغْبَةً لَكَ ضَائِرُ

وَكَيْفَ يَحْرِصُ عَلَيْها لَبيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَريبٌ، وَهْوَ عَلى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا؟ أَلاَ تَعْجَبُونَ مِمَّنْ يَنامُ وَهْوَ يَخْشى الْمَوتَ، وَلا يَرْجُو الفَوْتَ؟

أَلاَ، لاَ، وَلكِنَّا نَغُرُّ نُفوسنا *** وَتَغَلُهَـا اللَّذَّاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ

وَكَيْفَ يَلَذُّ العَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ *** بِمَوْقِفِ عَدْلٍ حَيْثُ تُبْلى السَرَائِرُ

كَأَنَّا نَرى أَنْ لا نُشُورَ، وَأَنَّنَا *** سُدَىً، مَا لَنَا بَعْدَ الفَنَاءِ مَصَائِرُ!