وَمِنْ هِنْدٍ عَلى عَمْرو وَقَدْ تَاهَ عَقْلِي، وَتَلاَشَتْ صِحَّتِي، وَفَرَغَتْ صُرَّتي، وَفَرَّ غُلامِي، وَكَثُرَتْ أَحْلامِي، وَجِزْتُ في الوَسْوِاسِ المِقْدَارَ، وَصِرْتُ بِمَنْزِلَةِ العُمّارِ، وَشَيْطانِ الدَّارِ، أَظْهَر بِالَّليْلِ وَأَخْفَى بِالنَّهَارِ أَشأَمُ مِنْ حَفَّارٍ وَأَثْقَلُ مِنْ كِراء الدْارِ وَأْرَعَنُ مِنْ طَيْطَىءِ القَصَّارِ وَأَحْمَقُ مِنْ دَاوُدَ العَصَّارِ وَقَدْ حَالَفَتْنِي القِلَّةُ وَشَمَلَتْنِي الذِّلْةُ ، وَخَرَجْتُ مِنَ المِلَّةِ، وَأَبْغَضْتُ فِي اللهِ، وَكُنْتُ أَبَا العَنْبَسِ، فَصِرْتُ أَبَا عَمَلَّسِ. قَدْ ضَلِلْتُ المَحَجَّةَ، وَصَارَتْ عَلَيَّ الحُجَّةُ، لا أَجِدُ لِي نَاصِراً، وَالإِفْلاسُ عِنْدِي أَرَاهُ حَاضِراً، فَلَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ قَدْ صَعُبَ، وَالزَّمَانَ قَدْ كَلِبَ، التَمَسْتُ الدِّرْهَمَ
فَإِذَا هُوَ مَعَ النَّسْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُنْقَطِعِ البَحْرَيْنِ، وَأَبْعَدَ مِنْ الفَرْقَدَيْنِ. فَخَرَجْتُ أَسِيحُ كَأَنِّيَ المَسِيحُ، فَجُلْتُ خُرَاسَانَ، وَالخَرابَ مِنْهَا وَالعُمْرَانَ، إِلَى كَرْمَانَ وَسِجِسْتَانَ، وَجيلاَنَ إِلَى طُبْرِسْتَانَ وَإِلَى عُمَانَ إِلَى السِّنْدِ، وَالهِنْدِ، وَالنَّوبَةِ، وَالقُبْطِ، وَاليَمَنِ، وَالحِجَازِ، وَمَكَّةَ، وَالطَّاِئِف، أَجُولُ البَرَارِيَّ وَالْقِفَارِ، وَأَصْطَلِي بِالَّناِر، وَآوِي مَعَ الحِمَارِ، حَتَّى اسْوَدَّتْ وَجْنَتَايَ، وَتَقَلَّصَتْ خُصْيَتَايَ، فَجَمَعْتُ مِنَ النَّوَادِرِ وَالأَخْبَارِ وَالأَسْمَارِ، وَالفَوَائِدِ وَالآثَارِ، وَأَشْعَارِ الْمُتَطَرِّفِينَ، وَسُخْفِ المُلْهِينَ، وَأَسْمَارِ المُتَيَّمِينَ، وَأَحْكَامِ المُتَفَلْسِفِينَ، وَحِيَلِ المُشَعْوِذِينَ، وَنَوَامِيسِ المُتَمَخْرِقِينَ، وَنَوَادِرِ المُنَادِمِينَ، وَرَزْقِ المُنَجِّمِينَ، وَلُطْفِ المُتَطَبِّبِينَ، وَكِيِاَدِ المُخَنَّثِينَ، وَدَخْمَسَةِ الجَرَابِذَةِ، وَشَيْطَنَةِ الأَبَالِسَةِ، وَمَا قَصَّرَ عَنْهُ فُتْيَا الشَّعْبِيِّ،
وَحِفْظُ الضَّبِيِّ. وَعِلْمُ الكَلْبِيِّ. فَاْسَتْرَفْدْتُ وَاجْتَدَيْتُ، وَتَوَسَّلْتُ وَتَكَدَّيْتُ، وَمَدَحْتُ وَهَاجَيْتُ، حَتَّى كَسَبْتُ ثَرْوَةً مِنَ المَالِ، وَاتَّخَذْتُ مِنْ الصَّفَائحِ الهِنْدِيَّةِ، وَالقْضُبِ اليَمَانِيَّةِ، وَالدُّرُوعِ السَّابِرِيَّةِ. وَالدَّرَقِ التُّبَّتيَّةِ، وَالرِّمَاحِ الخَطِّيَّةِ، وَالحِرَابِ البَرْبَرِيَّةِ، وَالخَيْلِ العِتَاقِ الجُرْدِيَّةِ، وَالبِغَالِ الأَرْمَنِيَّةِ، وَالحُمْرُ المَرِيسِيَّةِ، وَالدَّيَابِيجِ الرُّومِيَّةِ، وَالْخُزُوزِ السُّوسِيَّةِ، وَأَنْواعِ الطُّرَفِ وَالُّلطُفِ، وَالهَدَايَا وَالتُّحَفِ، مَعَ حُسْنِ الحَالِ، وَكَثْرةِ المَالِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ بَغْدَادَ وَوَجَدَ القَوْمُ خَبَري، وَمَا رُزقْتُهُ فِي سَفَرِي، سُّرُّوا بِمَقْدَمِي، وَصَارُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيَّ، يَشْكُونَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الوَحْشَةِ لِفَقْدِي، وَمَا نَالَهُمْ لِبُعْدِي، وَشَكَوْا شِدَّةَ الشَّوْقِ، وَرُزْءَ التَّوْقِ وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَذِرُ مِمَّا
فَعَلَ، وَيُظْهِرُ النَّدَمَ عَلى مَا صَنَعَ، فَأَوْهَمْتُهُمْ أَنِّي قَدْ صَفَحْتُ عَنْهُمْ، وَلَمْ أْظْهِرْ لَهُمْ أَثَرَ المَوْجِدَةِ عَلَيهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ، فَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ، وَسَكَنَتْ جَوَارحُهُمْ، وَانْصَرَفُوا عَلى ذَلِكَ، وَعَادُوا إِليَّ فِي اليَوْمِ الثَّانِي، فَحَبَسْتُهُمْ عِنْدِي، وَوَجَّهْتُ وَكِيلي إِلَى السُّوقِ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئَاً تَقَدَّمْتُ بِشِرَائِهِ إِلاَّ أَتَى بِهِ، وَكَانَتْ لَنَا طَبَّاخَةٌ حَاذِقَةٌ؛ فَاتْخَذْتُ عِشْرِينَ لَوْنَاً مِنْ قَلاَيَا مُحْرِقَاتٍ، وَأَلْوَاناً مِنْ طَبَاهِجَاتٍ، وَنَوادِرَ مُعَدَّاتٍ، وَأَكَلْنَا وَانْتَقَلْنَا إِلَى مَجْلِسِ الشَّرَابِ، فَأُحْضِرَتْ لَهُمْ زَهْرَاءٌ خَنْدَرِيسِيَّةٌ، وَمُغَنِّيَاتٌ حِسَانٌ مُحْسِنَاتٌ، فَأَخَذُوا فِي شَأْنِهِمْ وَشَرِبْنَا، فَمَضَى لَنَا أَحْسَنُ يَوْمٍ يَكُونُ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَعْدَدْتُ لَهُمْ
بِعَدَدِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَنّاً مِنْ صِنَانِ البَاذِنْجَانِ، كُلُّ صَنٍّ بِأَرْبَعَةِ آذَانٍ، واسْتَأْجَرَ غُلاَمِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَمَّالاً، كلُّ حَمَّالٍ بِدِرْهَمينِ، وَعَرَّفَ الحَمالِينَ مَنَازِلَ القَوْمِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالمُوَافَاةِ بِعِشاَءِ الآخِرَةِ، وَتَقَدَّمْتُ إِلى غُلاَمي وَكَانَ دَاهِيَةً أَنْ يَدْفَعَ إِلَى القَوْمِ بِالْمَنِّ وَالرَّطْلِ، وَيَصْرِفَ لَهُمْ، وَأَنَا أُبَخِّرُ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ النَّدَّ وَالعُودَ وَالعَنْبَرَ، فَمَا مَضَتْ سَاعَةٌ إِلاَّ وَهُمْ مِنَ السُّكْرِ أَمْوَاتُ لاَ يَعْقِلُونَ وَوَافَانَا غِلْمَانُهُمْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِدَابَّةٍ أَوْ حِمارٍ أَوْ بَغْلَةٍ، فَعَرَّفْتُهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدِي الَّلْيلَةَ بَائِتُونَ، فَانْصَرَفُوا، وَوَجَّهْتُ إِلى بِلاَلٍ المُزَيِّنِ فَأَحْضَرْتُهُ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ