الباب الخامس والستون ذكر من وصف بصباحته ومدح بسماحته
الباب الخامس والستون ذكر من وصف بصباحته ومدح بسماحته
قال النابغة الذبياني:
ألم ترَ أنَّ الله أعطاكَ سورَةً
ترى كلَّ ملك دونها يتذبذبُ
بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ
إذا ما بدت لم يبدُ منهن كوكبُ
وقال زياد الأعجم:
تراه إذا ما جئته مُتهلِّلاً
كأنك مُعطيه الَّذي أنتَ سائلُهْ
كريم إذا ما جئت للعرف طالباً
حباك بما تحنو عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه
لجادَ بها فليتق الله سائله
وقال الحطيئة فيما أَرَى:
تزور امرأً يؤتى علَى الحمد ما لهُ
ولم يعطِ أثمانَ المحامدِ تُحمَدِ
يرى البُخْلَ لا يبقى علَى المرء مالَهُ
ويعلمُ أن الشُّحَّ غير مُخلدِ
كسوب ومتلافٌ إذا ما سألتَهُ
تهلَّل واهتزَّ اهتزاز المهندِ
مَتَى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خيرَ نارٍ عندها خير موقدِ
وقال أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيكَ لأنها
قطَعتْ إليكَ سباسيباً ورِمالا
فإذا وردن بنا وردن مُخِفَّةً
وإذا صدرن بنا صدرنَ ثِقالا
وقال آخر:
راح السريّ وراح الجود يَتبعه
وإنَّما النَّاس مذموم ومحمودُ
من كان يضمن للسؤال حاجتهم
ومن يقول إذا أعطاهم عودوا
وقال آخر:
قد زيَّنوا أحسابهم بسماحهم
لا خيرَ في حسب بغير سماح
أموالهم مبذولة ونفوسُهم
للموت عند مجالس الأرواح
وقال آخر:
أناسٌ بما أفنوا من المال أحرزوا
محامدَ ما يبقى من الحمد والأجر
رأوا أن دُنياهُم تبيد فأنزلوا
نفوسُهم منها بمنزلةِ السفر
وقال آخر:
نزلتُ علَى آل المهلب شاتياً
بعيداً عن الأوطان في زمن مَحْلِ
فما زالَ بي إكرامُهم وافتقادُهمْ
وألطافُهمْ حتَّى حسِبتهُمُ أهلي
البحتري:
جادَ حتَّى أفنى السُّؤال فلمّا
بادَ منا السؤال جادَ ابتداءَ
فهو يُعطي جزلاً ويُثني عليه
ثمَّ يُعطي علَى الثناء جزاءَ
وقال علي بن العباس الرومي:
لا يُبذل الرِّفْدَ حين يبذله
كمشتري الحمد أوْ كمُعتاضهِ
بل يفعل العُرف حين يفعله
لجوهر العرف لا لأعواضهِ
الباب السادس والستون ذكر من أسدى المعروف إليه فشكره وأظهر ما عليه
الباب السادس والستون ذكر من أسدى المعروف إليه فشكره وأظهر ما عليه
ذكروا أن القطامي كان يهجو قيساً فأسره زفر بن الحارث فامتن عليه وأمر له بمائة من الإبل فامتدحه بعد ذلك بأشعار كثيرة منها قوله:
منْ مُبلغ زفر القيسي مَدحته
عن القطامي قولاً غيرَ إفنادِ
إنِّي وإنْ كان قومي ليس بينهم
وبين قومك إلاَّ ضربةُ الهادي
مُثنٍ عليك بما استبقيت معرفه
وقد تعرض منّي مُقبل بادي
إذْ يعتريك رجال يبتغون دمي
ولو أطعتهُم أبكيت عوادي
وقال ذو الرُّمَّة:
لولا اختياري أبا حفصٍ وطاعته
كادَ الهَوَى من غداة البين يعتزمُ
له عليَّ أيادٍ لستُ أكفرها
فإنما الكفرُ أن لا تشكر النعمُ
إذا هبطت بلاداً لا أراك بها
تجهمتني وحالت دوننا الظلمُ
أغرّ أروع بهلول أخي ثقةٍ
حلاحل من يراه اللين والكرمُ
يُريد ذا الشَّيْب منه شيبه كرماً
ويستبين فتاهم حين يحتلمُ
وقال محمد بن سعيد السعدي:
سأشكر عمرواً إن تراخت منيتي
أياديَ لم تُمنَن وإنْ هي جلَّت
فتى غيرُ محجوب النَّدَى عن صديقه
ولا مظهرَ الشكوى إذا النعل زُلَّت
رأى خلة من حيث يُخفى مكانُها
وكانت قذى عينيه حتَّى تجلَّت
وقال آخر:
شكرتك إن الشكر حظُّ من التُّقى
وما كلُّ من أوليْتهُ نعمةً يقضي
فأحييتَ لي ذكرى ومن كان خاملاً
ولكن بعض الذكر أنبهُ من بعضِ
وقال آخر:
فلو كان للشكر شخصٌ يبين
إذا ما تأمَّلَهُ النَّاظرُ
لمثَّلتُهُ لكَ حتَّى تراهُ
فتعلم أنِّي امرؤ شاكر
وهذا الكلام حسن إن ترك على جملته، وقبيح إن كشف عن حقيقته، وذلك أن صاحبه لم يقصد بشكره، وإلى أن يؤدي الحق الَّذي لزمه في نفسه وإنَّما قصد إلى أن ولي النعمة يشكره وفي إظهار الشكر خلال كثيرة كل واحدة منها أجلَّ من هذه الخلة
قدراً، وأجمل منها ذكراً، على أن هذه وإن كان غيرها أحسن في الحقيقة منها فإنَّه لاعناً بالمنعم عليه عنها لئلا يقع عنده. أن إمساكه قصدٌ منه إلى كفران نعمته، فيمنعه ذلك من معاودة الأنعام عليه، وعلى مثله كما قال عنترة العبسي:
نبئت عمرو غير شاكر نعمتي
والكفر مجنية لشكر المنعم
وقد غلط قوم من المتفلسفين غلطاً دخلوا به في جملة جهال المتكبرين فزعموا أن إظهار الشكر وتلقيه بالقبول قبيحان وأنهما جميعاً يدلان من الشاكر والمشكور على صغر النفس، ونقصان الهمة. وليس الأمر كذلك بل تركه يدل على كفران النعمة، والاستكبار عن قبوله يدل على قلة
الفهم، وضعف الروية، إذْ الله جلّ ثناؤه وهو خالق الخلق بتفضله وموفق من شاء منهم لطاعته ويسمي نفسه تبارك وتعالى شاكراً فإذا جاز أن يكون الله تبارك وتعالى شاكراً لمن أطاعه على طاعته إياه وهو الموفق لها وخالق القدرة على فعلها فكيف ينكر على من
ابتدأه مخلوق مثله بنعمه أن يظهرها وأن يشكر لموليه إياها على فعلها وإذا كان الله جلّ ثناؤه يحض على شكر نفسه ويقبله من خلقه فكيف ينساغ للمخلوق أن يأباه ويترفع عن قبوله ولقد أحسن الَّذي يقول:
ولو كان يستغني عن الشكر ماجدٌ
لِعزة مُلك أوْ عُلوِّ مكان
لما ندبَ الله العِبادَ لشكره
فقال اشكروني أيها الثقلان
الباب السابع والستون ذكر ما يجعل من الاستبطاء مقدمة بين يدي الهجاء
الباب السابع والستون ذكر ما يجعل من الاستبطاء مقدمة بين يدي الهجاء
حدثني أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب الحارثي قال: حدثنا وهب يعني ابن جرير عن جويرية، حدثنا نافع أنَّه كان تحت منبر ابن الزبير، يوم دعا إلى نفسه، وحدثني أن أبا حُرّة الأسلمي صاحب العبا، كان رجلاً من الموالي شاعراً شجاعاً مقاتلاً فقام
إليه فقال: يا ابن الزبير ما سفكنا الدماء، ولا قاتلنا النَّاس إلاَّ في ملكك، قال: فمن تبغون سواي؟ قال: فهل انتظرت حتَّى نكون نحن ندعوك ففارقه ثمَّ أنشأ يقول:
إن الموالي أمست وهي عاتبةٌ
علَى الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا
أيُّ الملوك علَى ما حوله غَلبا
نُعاهدُ الله عهداً لا نخيس به
لا نسأل الدَّهر شورى بعدما ذهبا
وذكروا أن رجلاً من بني ضَبَّة دخل علَى عبد الملك بن مروان فقال: السلام عليك:
والله ما ندري إذا ما فاتنا
طلبٌ إليكَ من الَّذي نتطلَّبُ
ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد
أحداً سواك إلى المكارم يُنسبُ
فاصبر لغادتك الَّتي عوَّدتنا
أو لا فأرشِدْنا إلى منْ نذهبُ
قال: لا أجد. وأمر له بألف دينار وانصرف. فلما حال عليه الحول رجع وهو يقول:
يؤوب الَّذي يأتي من العرف أنَّه
إذا فعلَ المعروف زادَ وتمما
وليس كبانٍ حين تمّم مثلها
تتبعهُ بالنقص حتَّى تهدَّما
فأمر له بألفي دينار فانصرف. ولقد أحسن الَّذي يقول وهو يزيد بن محمد المهلبي:
رأى النَّاس فوق المجد مقدار مجدكم
فقد سألوكم فوق ما كان يُسألُ
بلغتَ الَّذي قد كنت أمّلتُ فيكمُ
وإن كنتُ لم أبلغ لكم ما أؤمِلُ
وما لي حقّ واجبٌ غير أنَّني
إليكم بكم في حاجتي أتوسَّلُ
وقال آخر:
ومن يكُ مفتاحاً لخير يُريدهُ
فإنك قفلٌ يا سعيدُ بنُ خالدِ
أبيتَ فلا تُعطي ولا أنت مانع
كأنك منها بين سُخنٍ وباردِ
وقال إبراهيم بن العباس الكاتب:
إن امرءاً ضنَّ بمعروفه
عنّي لمبذولٌ له عُذري
ما أنا بالراغب في عرفه
إذْ كان لا يرغبُ في شكري
وأنشدنا أحمد بن طاهر لنفسه:
طوى شيماً كانت تروح وتغتدي
وسائلَ من أعيت عليه وسائلُهْ
فيا عارضاً للعرف أقلع مُزْنُه
ويا وارداً للسيل جُفَّت مسايلُهْ
ولكنني أطوي الحسام إذا مضى
وإن كان يوم الروع غيري حاملُه
وأثني علَى جَيحانَ إنْ غاض ماؤه
وإنْ كان ذوداً غير ذودي ناهلُهْ
وله أيضاً:
ما ماء كفّك إنْ جادت وإنْ بخلتْ
من ماء وجهي وإن أفْنيتُه عِوَضُ
إنِّي بأيسرَ ما أدْنيتُ مُنبسطٌ
كذا بأيسرَ ما أقصيتُ مُنْقَبضُ
من أشتكي وإلى من أعتري وندى
من أجتدي كلُّ أمر فيك مُنتقضُ
مودَّةٌ ذهب أثمارُها شُبَهُ
وهمهُ جوهرُ معروفها عَرضُ
وله أيضاً:
نأيتُ فلا مالٌ حويتُ ولم أقم
فأمتَع إذْ فُجعتُ بالمال والأهلِ
بَخلتُ علَى عرضي بما فيه صونُه
رجاءَ اجتناءِ الجود من شجر البُخل
عصَيتُ شبا عزمي لطامةِ حيرةٍ
دعتني إلى أن أفتح القُفل بالقُفلِ
عِدات كرَيْعان السراب إذا جرى
تُنَسّر عن منعٍ وتُطوى علَى مطلِ
فلو شاء من لو شاءَ لم يثْن أمره
لصيَّر فضل المال عند ذوي الفضل
ولو أنَّني أعطيتُ يأسي نصيبَهُ
إذن لأخذتُ الدَّهر من مأخذ سهلِ
ولم يكُ ما جرَّعتُ نفسي من الأسى
ولم يكُ ما جرَّعت قومي من الثُكلِ
وله أيضاً:
فأين قصائدٌ لي فيك تأبى
وتأنَفُ أن أهانَ وأن أُذالا
من السحر الحلال لمجتنيه
ولم أرَ مثلَهُ سحراً حلالا
وله أيضاً:
ما أملي فيك بالضعيف ولا
ظنِّي في نجْمهِ بمكذوبِ
ولا قبولي ما كنت جُدْتَ به
عليَّ بالأمس خُلسةَ الذيبِ
أقلُّ إخوانكَ الحميد غِنًى
وأكثرُ الماء غيرُ مشروبِ
لي أملٌ دائم الوقوفِ علَى
مُنتظر من جَداك مرقوبِ
وهِمَّةٌ ما تزالُ حائمةً
حول رواقٍ عليك مضروبِ
فكيف ألجأتني إلى الأمد الأب
عد من يوسف بن يعقوبِ
المانعي اليأسَ من بخالتِهِ
والموسعي من عِدات عُرقوبِ
لستُ علَى غِرَّةٍ بمُشْتملٍ
ولا إلى مطمع بمنسوبِ
ولا لمثلي في القولِ منك رِضاً
والقول في المجد غيرُ محسوبِ
أما نوالٌ يُدنيكَ من مِدَحي
أوْ اعتذار يكفيك تأنيبي
وقال علي بن الجهم:
أطاهر إنِّي عن خراسان راحل
ومُسْتخبَرٌ عنها فما أنا قائل
أأشكوك أم أثني عليك وإنَّما
تخيَّرتُ أدَّته إليك المحافل
ومن أحسن ما قيل في الاستيطاء لعطاء وألطفه معنى قول البحتري:
أعاتبُ إخواني ولستُ ألومُهمْ
مُكافحةً أن الملوم المُلَوَّمُ
وما أنت بالثاني عِناناً عن العلى
ولا أنا بالخلّ الَّذي يتجرَّمُ
سأحملُ نفسي عنك حملَ مُجامل
وأكرِمُها إن كانتِ النَّفس تُكرمُ
وأبعدُ حتَّى تعرضَ الأرض بيننا
ويُمسي التلاقي وهو غيبٌ مُرجَّمُ
عليك السّلامُ أقصر الوصل فانطوى
واجمع توديعاً أخوك المسلّمُ
وما منعَ الفتحُ بن خاقان نَيْلهُ
ولكنها الأقدارُ تُعطي وتحْرمُ
خلا أن باباً ربما التاثَ دونه
ووجهاً طليقاً ربما يتجهَّمُ
سحاب خَطاني جودُهُ وهو مُسبلٌ
وبحر عداني فيضُهُ وهو مُفعمُ
وبدرٌ أضاءَ البدرَ شرقاً ومَغرباً
وموضعُ رجلي منه أسود مُظلمُ
أأشكو نداه بعدما وسِعَ الورى
ومن ذا يذم الغيثَ إلاَّ مُذَمّمُ
وله أيضاً:
أمرْتَ بأنْ أُقيمَ علَى انتظار
لرأيك أنَّه الرأي الأصيلُ
وراقبت الرسولَ وقلتُ يأتي
بتبيانٍ فما جاءَ الرسولُ
فليس بغير أمركَ لي مُقامٌ
ولا عن غير إذنك لي رحيلُ
وقد أوقفت عزمي والمطايا
فقُلْ شيئاً لأفعلَ ما تقولُ
وقال أيضاً:
إذا محاسني اللاتي أُدِلُّ بها