ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 15 من 18

كتاب الزهرة — المجلد الرقمي الرابع

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 15 من 18918 كلمة في هذا الجزء

أصبحت في ظلمه من واسع النعمِ

فما رأيتك في حال تكون بها

أدنى إلى كل خير منك في العدمِ

فلا عدمت وإن لم تهوَ منزلةً

تدنيكَ حالتها من صالح الشيمِ

وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال: إنَّه قد هجاني. قال: وما قال لك؟ قال:

دعْ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها

واقعدْ فإنَّك أنت الطاعم الكاسي

فقال عمر: أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً؟ قال: لا والله لولا الإسلام لأنكرتني. قال: ما أعلمه هجاك، ولكن أدعو ابن القُريعة. فلما جاءه حسّان. قال له عمر: أهجاه؟ قال: لا. ولكنه سلح عليه.. فقال عمر للحطيئة: لأحبسنَّك أوْ لتكفنَّ عن إعراض المسلمين. قال أمير

المؤمنين: لكل مقامٍ مقال. قال: وإنك لتهددني فحبسه. فكتب إليه من الحبس:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ

زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ

ألقيتَ كاسبَهم في قعر مُظلمةٍ

فارحم عليك سلامُ الله يا عمرُ

نفسي فداؤك كم بيني وبينهم

من عرض داويّة يعمى لها الخبرُ

فلما قرأها عمر رقَّ له، فخلَّى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشدَّ إفصاحاً بالهجاء منه فإن معه ما يوضّح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المدح فيه وهو:

ما كان ذنب بغيضٍ أن رأى رجلاً

ذا حاجةٍ عاش في مستوعر شاسِ

ملّوا قراه وهزَّته كلابهُم

وجرَّحوه بأنيابٍ وأضراسِ

لما بدا لي منكم خبثُ أنفسكم

ولم يكن لجراحي فيكم آسي

أزمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُ

ولن ترى طارداً للحرِّ كالياسِ

وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله، أنَّه لما سمع قول النجاشي في بني العجلان:

إذا الله عادى أهل لؤمٍ ودقَّةٍ

فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل

قُبيَّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ

ولا يظلمون النَّاس حبةَ خردل

قال: يسرني أن ابن الخطاب كذلك، فلما سمع:

ولا يردون الماء إلاَّ عشيَّةً

إذا صدر الوراد عن كل منهل

قال: ما أحبّ كل هذه الذلة.

ومع هذين البيتين ما يوضح أنَّها هجاء صحيح غير مشبه لشيء من المديح مع البيت الأول وهو قوله:

أولئك أخوال اليتيم وأسرةُ

الهجين ورهط الخائن المتبدلِ

تعافُ الكلابُ الضاريات لُحومَهُمْ

ويأكُلْنَ من كلب وعوف ونهشلِ

وما سمّي العجلان إلاَّ لقولِهمْ

خُذْ القعب واحلُبْ أيها العبدُ واعجلِ

قال رجل من بني العنبر:

لو كنتُ من مازنٍ لم تستبِح إبلي

بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا

إذاً لقام بنصري معشرٌ خُشنٌ

عند الحفيظة أنْ ذو لوثةٍ لانا

قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهمْ

لم يرهبوه زرافاتٍ ووحدانا

لا يسألون أخاهُم حين يندبُهمْ

في النائبات علَى ما قال بُرهانا

لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ

ليسوا من الشرِّ في شيء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً

ومن إساءة أهل السوء إحسانا

كأن ربَّكَ لم يخلق لخشيته

سواهمُ من جميع الناسِ إنسانا

قال آخر:

عند الملوك مصائر ومنافعُ

وأَرَى البرامك لا تضرُّ وتنفع

وإذْ نكرتَ من امرئ أعرافَهُ

وطباعهُ فانظر إلى ما يصنع

قال المُثلَّم بن رياح بن ظالم:

تصيحُ الرُّدينيات فينا وفيكمُ

صياحَ بنات الماء أصبحْنَ جُوَّعا

خلطنا البيوت بالبيوت فأصبحوا

بني عمّنا من يرمهم يرمنا معا

قال آخر:

بكُرهِ سراتنا يا آلَ عمرٍو

نعاديكُمْ بمرهفةِ النصالِ

لها لونٌ من الهامات كابٍ

وإن كانتْ تُحادثُ بالصّقالِ

نُعدِّيهنَّ يوم الرَّوع عنكمْ

وإن كانتْ مُثلَّمةَ النِّصالِ

ونبكي حين نذكركم عليكم

ونقتلكُمْ كأنّا لا نبالي

قال القتّال الكلابي:

نشدتُ زياداً والمقامة بيننا

وذكرتهُ أرحام سعد وهيثمِ

فلما رأيتُ أنَّه غير مُنتهٍ

أملت له كفّي بلدنٍ مقوَّمِ

فلما رأيت أنَّني قد قتلته

ندمتُ عليه أيَّ ساعة مندمِ

قال قيس بن زهير:

شفيتُ النَّفس من حمل بن بدرٍ

وسيفي من حُذيفةَ قد شفاني

فإنْ أكُ قد بردتُ بهم غليلي

فلم أقطع بهم إلاَّ بناني

قال الشميذر الحارثي:

بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعدما

دفنتم بصحراء الغُمير القوافيا

فليس كمن كنتم تُصيبون سلمة

فيقبلَ ضيمٌ أوْ يحكّم قاضيا

ولكنّ حكم السَّيف فيكم مُسلَّطٌ

فيرضى إذا ما أصبح السَّيف راضيا

وقد ساءني ما جرَّت الحربُ بيننا

بني عمّنا لو كان أمراً مُدانيا

فإن قُلتم أنّا ظلمنا فلم نكُنْ

ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا

قال البحتري:

أسأتُ لأخوالي ربيعة إذْ عفَتْ

مصانعها منها وأقوتْ ربوعُها

بكُرهيَ إن كانت خلاءً ديارها

ووحشاً مغانيها وشتى جميعها

إذا اقترفوا عن وقعة جَمَعتهمُ

لأخرى دماءً ما يُطلُّ نجيعُها

تذمُّ الفتاةُ الرود شيمة زوجها

إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها

حميَّةَ شغب جاهليّ وعزَّةٍ

كليبيّة أعيا الرِّجال خُضوعُها

وفرسان هيجاء تجيش صدورها

بأحقادها حتَّى تضيق ذروعها

نُقتّل من وترٍ أعزَّ نفوسها

عليها بأيدي ما تكاد تُطيعُها

إذا احتربت يوماً تعاصت دماؤها

تذكّرت القربى ففاضتْ دموعُها

شواجرُ أرماحٍ تُقطَّعُ بينهم

شواجر أرواحٍ كلومٍ قطوعُها

قال أيضاً:

فضلُ الخلائف بالخلافة واقفٌ

في الرُّتبة العليا وفضلك أفضلُ

أوفيت عاشرهم فإن نُدبوا إلى

كرم وإحسان فأنت الأولُ

فهذا إن شاء إنسانٌ يصير به إلى نهاية المدح، وشاء آخر أن يصرفه إلى غاية الذم، وجد كلُّ امرئ منهم مقالا. أي مديح أبلغ من أن يكون ماضي من الخلفاء دون الممدوح بهذا القول. وأي ذم أوكد حجةً على المرء من تشريفه على آبائه وأجداده

والأخبار بأنه نجم من بينهم، مخالف في السؤدد لجماعتهم. وهذا النوع من الحلم غير مشاكل لما قدمناه في الباب المتقدم، لأن ذلك الحلم إنَّما وقع من فاعله رغبة منه في المكارم. وهذا الحلم إنَّما وقع احتقاراً للمخاصم، وكلاهما جميل من فاعله إذا كان ذلك يدل

على كرم الطبع، وهذا يدل على جلالة القدر.