ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 12 من 22

كتاب الزهرة — المجلد الرقمي الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 12 من 221,339 كلمة في هذا الجزء

سكَ نفسِي بطارِفِي وتَليدي

ولئنْ كنتُ لمْ أمتْ مِنْ جوَى الحزْ

نِ عليهِ لأبلغنْ مجهُودي

لأُقيمنَّ مأتماً كنجومِ اللَّيْ

لِ غُرّاً يلطمنَ حرَّ الخدودِ

موجعاتٍ يبكينَ للكبدِ الح

رَّى عليهِ وللفؤادِ العميدِ

ولبعض أهل هذا العصر:

أمثلُ الَّذي ألقَى يُقاومهُ صبرُ

فأصبرَ أمْ مثلي يُنهنهُهُ الزَّجرُ

لئنْ كنتُ غرّاً بالَّذي قدْ لقيتهُ

لفي فقدِ تمييزِي يحقُّ ليَ الأجرُ

تقضَّتْ صباباتِي إليهِ وقصَّرتْ

ظنوني بهِ بلْ ليسَ ظنٌّ ولا ذكرُ

وكفَّ رجائِي فاطمأنَّتْ مَخافتي

فلمْ يبقَ لي إلاَّ التَّأسُّفُ والفكرُ

فما لي رجاءٌ غيرَ قربِ منِّيَّتِي

ولا خوفَ إلاَّ أنْ يطولَ بيَ العمرُ

ولوْ لمْ يحُل أسرُ المنيَّةِ بينهُ

وبينيَ لم أحفلْ بما صنعَ الدَّهرُ

فليتَ المنايا وحدَها سمحتْ بهِ

ونازَعَنيهِ البينُ والهجرُ والغدرُ

وبلغني أنَّ جميلاً لمَّا حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، فأنشده:

ذكرَ النَّعيُّ وما كَنَا بجميلِ

وثوَى بمصرَ ثواءَ غيرِ قُفولِ

غدرَ الزَّمانُ بفارسٍ ذِي بَهمةٍ

ثبتٍ إذا جعلَ اللّواءُ يزولُ

فلمَّا قضى حياته أتى الرَّجل الماء الَّذي وُصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت بُثينة ناشرةً شعرها شاقَّةً جيبها لاطمةً وجهها وهي تقول: يا أيُّها النَّاعي بفيكَ الحجرُ أمَا واللهِ لئنْ كذَبْتني لقد فضحتني ولئن كنتَ صدقتَني لقد قتلتني ثمَّ أنشأت تقول:

وإنَّ سلوِّي عنْ جميلٍ لساعةٌ

منَ الدَّهرِ ما جاءتْ ولا حانَ حينُها

سواءٌ علينا يا جميلُ بنَ معمرٍ

إذا متَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها

ويقال أنَّها لم تقل شعراً غيره وذكروا أنَّ عروة بن حزام لمَّا انصرف من عند عفراء ابنة عقال فتوفِّي وجداً بها وصبابةً إليها مرَّ به ركبٌ فعرفوه فلمَّا انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:

ألا أيُّها القصرُ المغفَّلُ أهلهُ

نعَيْنا إليكمْ عُروةَ بنَ حزامِ

ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت:

ألا أيُّها الرَّكبُ المُخِبُّونَ ويحَكُم

بحقٍّ نعيتمْ عروةَ بنَ حزامِ

فأجابها رجل من القوم:

نعمْ قدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ

مُقيماً بها في سبسبٍ وأكامِ

فقالت لهم:

فإنْ كانَ حقّاً ما تقولونَ فاعلمُوا

بأنْ قدْ نعيتمْ بدرَ كلِّ ظلامِ

فلا لقيَ الفتيانُ بعدكَ لذَّةً

ولا رَجعوا مِنْ غيبةٍ بسلامِ

ولا وضعتْ أُنثَى تماماً بمثلهِ

ولا فرحتْ مِنْ بعدهِ بغُلامِ

ولا لا بلغتمْ حيثُ وجِّهتمُ لهُ

ونُغِّصتمُ لذَّاتِ طلِّ طعامِ

ثمَّ سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلمَّا قاربته قالت: أنزلوني فإنِّي أُريد قضاء حاجةٍ فأنزلوها فانسلَّت إلى القبر فانكبَّت عليه فما راعهم إلاَّ صوتها فلمَّا سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة علَى القبر قد خرجت نفسُها فدفنوها إلى جنبه.

تمَّ القول ولله الحمد والمنَّة والصَّلاة علَى رسول الله.

قد وفَّينا بحمد الله من التَّشبيب بكل ما ضمنَّاه على حسن الترتيب الَّذي قدَّمناه فأفردنا له خمسين باباً ووفَّينا كلّ باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلاَّ ما يواطئ ترجمته مفرداً من

كل ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبتِّراً ولبقي عامَّة الكلام مستوحشاً لأنَّ البيت يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسناً أن يُذكر البيت لمعنًى فيه يشاكل الباب وتُفرد سائر معانيه المتعلّقة بالبيت الَّذي يليه ممَّا ينتظم معها وينبّه على صحَّتها وحسنها على أنَّه لو

لزمنا أن لا نضمّن الباب إلاَّ ما يطابق لفظه مفرداً ممَّا يقتضيه ويتَّصل به ألزمنا تفصيل المصراع من المصراع الَّذي لا يشاكله حتَّى لا يكون في البيت كلمةٌ تقتضي معنًى ليس الباب موجباً له لأنَّ في أشعار بلغاء العرب الَّذي يتضمَّن أوَّله معنًى ويتضمَّن آخره

غيره إذ البلاغة الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربَّما تضمَّن المصراع المتأخِّر ضدَّ ما يتضمنَّه المصراع المتقدّم ولو فعلنا ذلك لخرج كتابنا عن حدّ العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حدّ الجهالات المطربة والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطّع نظامها وبتر كلامها عن

باب الأشعار فإذا كان الاختيار والاضطرار معاً يمنعان من أن لا ندخل في باب إلاَّ ما توجبه ترجمته المتقدّمة له إذاً فلا بدَّ من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع الاحتجاج يطابقه وإن كان ممَّا لو أُفرد في نفسه لكان البيت غنيّاً عن ذكره والَّذي

منعني أن أجعل أبيات كلّ باب مائة كاملة في خاصّية معناه سوى ما يتَّصل به ممَّا يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أنِّي لو فعلت ذلك لم أضبطه إلاَّ بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كلّ واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدَّمنا ذكره من تهجين الكتاب

وتقبيح الأبواب والآخر أنَّ الأبواب حينئذٍ كانت تكون بغير عددٍ محصورٍ ولا حدّ مقصور وإنَّما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشَّرط فيه أعدت فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد

مرَّت في أبواب الغزل تكون قصاصاً من الخمسة الأبيات الَّتي في الرسالة المقدَّمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج العدد عن حدّ ما قصدناه أعدنا أبياتاً قصاصاً عن الأبيات ليست محسوبة في باب وإنَّما هي متمثَّل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن

تكون الاحتجاجات والأبيات المتعلّقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد لاستحالت التَّسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب.

ونحن الآن إن شاء الله وقد أتينا على الخمسين الماضية من الأبواب مبتدئون في الخمسين الباقية من الكتاب فأوَّل ما نشرع فيه من ذلك ما قيل في تعظيم أمر الله عزَّ وجلَّ والتَّنبيه على قدرته والدلالة على آلائه والتَّحذير من سطوته ثمَّ تعقب ذلك ما

قيل في رسوله صلى الله عليه وسلّم ثمَّ نتبع ذلك ما قيل في المختارين من أهل بيته رحمة الله عليهم وصلواته ثمَّ ننسِّق إلى آخرها على أحقّ التَّرتيب بها حسب ما تبلغه أفهامنا ويومي إليه اختيارنا وإنَّما قدَّمت أبواب الغزل منها دِيناً ودنيا وممَّا هو

أدعى إلى مصالح النَّفس وأدخل في باب التَّقوى لأن مذهب الشُّعراء أن تجعل التَّشبيب في صدر كلامها مقدّمة لما تحاوله في خطابها حتَّى أنَّ الشِّعر الَّذي لا تشبيب له ليلقَّب بالحصا وتسمَّى القصيدة منه البتراء وإنَّ قائلها ليخرج عند أهل العلم بالأشعار عند عمل يدخل

فيه الموصوفون بالاقتدار والمنسوبون إلى حسن الاختيار فأحببت أن لا أخرج في تأليف الشِّعر عن مذهب الشُّعراء دليلاً عمَّا ضمنت من رعاية حقوق المشاكلة ولم يصلح إذا انقضى ذكر التَّشبيب بالغزل أن أُقدم على أمر الله عزَّ وجلَّ أمراً ولا أرسم بين يديَّ الأشعار الدَّالَّة

على عظمته شِعراً ولم أجد أحداً من الشُّعراء اتَّسع في هذا النَّحو اتّساع أُميَّة بن أبي الصَّلت على أنَّه لم يسلم فيعظم الإسلام في قلبه ما لا تعظمه إقامته على كفره وأشعار أهل الجاهليَّة في هذا المعنى وما كان شكله أولى أن يقدَّم من أشعار

الإسلاميين لا لسبقهم في الزَّمان ولا لتقدُّمهم في الأسنان ولكن لأنَّ إقرار الخصم بدعوى خصمه أقطع للجدل من ادِّعاء المرء حقّاً لنفسه وإن أقام البيّنة بصحّة قوله ونحن نقدِّم إن شاء الله ولا قوَّة إلاَّ بالله ما نختاره من شعر أُميَّة وأصحابه والدَّاخلين معه في

بابه وإن لم يبلغوه فقد رموا غرضه فقاربوه.

يتلوه الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أُميَّة ونظراؤه في تعظيم أمر الله جلَّ ثناؤه والحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة على رسوله محمَّدٍ وآله أجمعين.

بلغ هذا الكتاب المبارك تصحيحاً ومقابلةً مع نسخة أصله على حسب الجهد والطَّاقة فصحَّ ووافق في ذي قعدة سنة ثمان عشرة وسبع مائة من الهجرة النَّبويَّة.

كُتب مقابلةً مع المملوك محمد بن أبي المقاتل أحمد بن فهد بن أبي الفداء إسماعيل بن إبراهيم الحمى أيَّده الله تعالى.