المظهر الغنى عنه ذاك لأنه قد يدفع إلى الشيء لا يصح إلا بتقدير غير ما يريه الظاهر ثم لا يكون له سبيل إلى معرفة ذلك التقدير إذا كان جاهلا بهذا العلم فيتسكع عند ذلك في العمى ويقع في الضلال مثال ذلك أن من نظر إلى قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ثم لم يعلم أن ليس المعنى في ادعوا الدعاء ولكن الذكر بالاسم كقولك هو يدعى زيدا ويدعى الأمير وأن في الكلام محذوفا وأن التقدير قل أدعوه
الله أو ادعوه الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى كان بعرض أن يقع في الشرك من حيث إنه إن جرى في خاطره أن الكلام على ظاهره خرج ذلك به ولعياذ بالله تعالى إلى إثبات مدعوين تعالى عن أن يكون له شريك وذلك من حيث كان محالا أن تعمد إلى اسمين كلاهما اسم شيء واحد فتعطف أحدهما على الآخر فتقول مثلا ادع لي زيدا الأمير والأمير هو زيد وكذلك محال أن تقول أيا تدعو وليس هناك إلا مدعو واحد لأن من شأن أي أن تكون
أبدا واحدا من اثنين أو جماعة ومن لم يكن له بد من الإضافة إما لفظا وإما تقديرا وهناك باب واسع من المشكل فيه قراءة من قرأ وقالت اليهود عزير ابن الله بغير تنوين وذلك أنهم قد حملوها على وجهين أحدهما أن يكون القارىء له أراد التنوين ثم حذفه لالتقاء الساكنين ولم يحركه كقراءة من قرأ قل هو الله أحد الله الصمد بترك التنوين من أحد وكما حكي عن عمارة بن عقيل أنه قرأ ولا الليل سابق النهار بالنصب فقيل له ما تريد فقال أريد سابق
النهار قيل فهلا قلته فقال فلو قلته لكان أوزن وكما جاء في الشعر من قوله المتقارب فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا إلى نظائر ذلك فيكون المعنى في هذه القراءة مثله في القراءة الأخرى سواء والوجه الثاني أن يكون الابن صفة ويكون التنوين قد سقط على حد سقوطه في قولنا جاءني زيد بن عمرو ويكون في الكلام محذوف ثم اختلفوا في المحذوف فمنهم من جعله مبتدأ فقدر وقالت اليهود هو عزير ابن الله ومنهم من جعله خبرا فقدر وقالت اليهود عزير ابن الله
معبودنا وفي هذا أمر عظيم وذلك أنك إذا حكيت عن قائل كلاما أنت تريد أن تكذبه فيه فإن التكذيب ينصرف إلى ما كان فيه خبرا دون ما كان صفة تفسير هذا أنك إذا حكيت عن إنسان أنه قال زيد بن عمرو سيد ثم كذبته فيه ولم تكن قد أنكرت بذلك أن يكون زيد بن عمرو ولكن أن يكون سيدا وكذلك إذا قال زيد الفقيه قد قدم فقلت له كذبت أو غلطت لم تكن قد أنكرت أن يكون زيد فقيها ولكن أن يكون قد قدم هذا
ما لا شبهة فيه وذلك أنك إذا كذبت قائلا في كلام أو صدقته فإنما ينصرف التكذيب منك والتصديق إلى إثباته ونفيه والإثبات والنفي يتناولان الخبر دون الصفة يدلك على ذلك أنك تجد الصفة ثابتة في حال النفي كثبوتها في حال الإثبات فإذا قلت ما جاءني زيد الظريف كان الظرف ثابتا لزيد كثبوته إذا قلت جاءني زيد الظريف وذلك أن ليس ثبوت الصفة للذي هي صفة له بالمتكلم وبإثباته لها فتنتفي بنفيه وإنما ثبوتها بنفسها وبتقرر الوجود فيها عند المخاطب مثله عند المتكلم لأنه إذا وقعت
الحاجة في العلم إلى الصفة كان الاحتياج إليها من أجل خيفة اللبس على المخاطب تفسير ذلك أنك إذا قلت جاءني زيد الظريف فإنك إنما تحتاج إلى أن تصفه بالظريف إذا كان فيمن يجيء إليك واحد آخر يسمى زيدا فأنت تخشى إن قلت جاءني زيد ولم تقل الظريف أن يلتبس على المخاطب فلا يدري أهذا عنيت أم ذاك وإذا كان الغرض من ذكر الصفة إزالة اللبس والتبيين كان محالا أن تكون غير معلومة عند المخاطب وغير ثابتة لأنه يؤدي إلى أن تروم تبيين الشيء للمخاطب بوصف
هو لا يعلمه في ذلك الشيء وذلك ما لا غاية وراءه في الفساد وإذا كان الأمر كذلك كان جعل الابن صفة في الآية مؤديا إلى الأمر العظيم وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار إلى موضع الثبوت والاستقرار جل الله تعالى عن شبه المخلوقين وعن جميع ما يقول الظالمون علوا كبيرا فإن قيل إن هذه قراءة معروفة والقول بجواز الوصفية في الابن كذلك معروف ومدون في الكتب وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل به الابن في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه قيل
إن القراءة كما ذكرت معروفة والقول بجواز أن يكون الابن صفة مثبت مسطور في الكتب كما قلت ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق الخبر دون الصفة ليس بالشيء الذي يعترض فيه شك أو تتسلط عليه شبهة فليس يتجه أن يكون الابن صفة ثم يلحقه الإنكار مع ذلك إلا على تأويل غامض وهو أن يقال إن الغرض الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشرك أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر كما تقول في قوم تريد أن تصفهم
بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما فهم يقولون أبدا زيد الأمير تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه إذا أنت لم تقدر له خبرا معينا ولكن تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخبر إلا كان ذكرهم له هكذا ومما هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع ثلاثة إلى أنها خبر مبتدأ محذوف وقالوا إن التقدير ولا
تقولوا آلهتنا ثلاثة وليس ذلك بمستقيم وذلك أنا إذا قلنا ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة كان ذلك والعياذ بالله شبه الإثبات أن هاهنا آلهة من حيث إنك إذا نفيت فإنما تنفي المعنى المستفاد من الخبر عن المبتدأ ولا تنفي معنى المبتدأ فإذا قلت ما زيد منطلقا كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد ولم تنف معنى زيد ولم توجب عدمه وإذا كان ذلك كذلك فإذا قلنا ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة كنا قد نفينا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة ولم ننف أن تكون آلهة جل
الله تعالى عن الشريك والنظير كما أنك إذا قلت ليس أمراؤنا ثلاثة كنت قد نفيت أن تكون عدة الأمراء ثلاثة ولم تنف أن يكون لكم أمراء هذا ما لا شبهة فيه وإذا إن أدى هذا التقدير إلى الفساد وجب أن يعدل عنه إلى غيره والوجه والله أعلم أن تكون ثلاثة صفة مبتدأ لا خبر مبتدأ ويكون التقدير ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو في الوجود آلهة ثلاثة ثم حذف الخبر الذي هو لنا أو في الوجود كما حذف من لا إله إلا الله و ما
من إله إلا الله فبقي ولا تقولوا آلهة ثلاثة ثم حذف المصوف الذي هو آلهة فبقي ولا تقولوا ثلاثة وليس في حذف ما قدرنا حذفه ما يتوقف في صحته أما حذف الخبر الذي قلنا إنه لنا أو في الوجود فمطرد في كل ما معناه التوحيد ونفي أن يكون مع الله تعالى عن ذلك إله وأما حذف المصوف بالعدد فكذلك شائع وذلك أنه كما يسوغ أن تقول عندي ثلاثة وأنت تريد ثلاثة أثواب ثم تحذف لعلمك أن السامع يعلم ما تريد كذلك يسوغ أن تقول عندي
ثلاثة وأنت تريد أثواب ثلاثة لأنه لا فصل بين أن تجعل المقصود بالعدد مميزا وبين أن تجعله موصوفا بالعدد في أنه يحسن حذفه إذا علم المراد ويبين ذلك أنك ترى المقصود بالعدد قد ترك ذكره ثم لا تستطيع أن تقدره إلا موصوفا وذلك في قولك عندي اثنان وعندي واحد يكون المحذوف هاهنا موصوفا لا محالة نحو عندي رجلان اثنان وعندي درهم واحد ولا يكون مميزا البتة من حيث كانوا قد رفضوا إضافة الواحد والاثنين إل الجنس فتركوا أن يقولوا واحد رجال واثنان رجال على حد
ثلاثة رجال ولذلك كان قول الشاعر الرجز ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل شاذا هذا ولا يمتنع أن تجعل المحذوف من الآية في موضع التمييز دون موضع الموصوف فتجعل التقدير ولا تقولوا ثلاثة آلهة ثم يكون الحكم في الخبر على ما مضى ويكون المعنى والله أعلم ولا تقولوا لنا أو في الوجود ثلاثة آلهة فإن قلت فلم صار لا يلزم على هذا التقدير ما لزم على قول من قدر ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة فذاك لأنا إذا جعلنا التقدير ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة
أو ثلاثة آلهة كنا قد نفينا الوجود عن الآلهة كما نفيناه في لا إله إلا الله و وما من إله إلا الله وإذا زعموا أن التقدير ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة كانوا قد نفوا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة ولم ينفوا وجود الآلهة فإن قيل فإن يلزم على تقديرك الفساد من وجه آخر وذاك أنه يجوز إذا قلت ليس لنا أمراء ثلاثة أن يكون المعنى ليس لنا أمراء ثلاثة ولكن لنا أميران اثنان وإذا كان كذلك كان تقديرك وتقديرهم جميعا خطأ قيل إن هاهنا أمرا قد
أغفلته وهو أن قولهم آلهتنا يوجب ثبوت آلهة جل الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وقولنا ليس لنا آلهة لا يوجب ثبوت اثنين البتة فإن قلت إن كان لا يوجبه فإنه لا ينفيه فقيل ينفيه ما بعده من قوله تعالى إنما الله إله واحد فإن قيل فإنه كما ينفي الإلهين كذلك ينفي الآلهة وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديرهم صحيحا كتقديرك قيل هو كما قلت ينفي الآلهة ولكنهم إذا زعموا أن التقدير ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة وكان ذلك والعياذ بالله من الشرك يقتضي
إثبات آلهة كانوا قد دفعوا هذا النفي وخالفوه وأخرجوه إلى المناقضة فإذا كان كذلك كان محالا أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوه وليس كذلك الحال فيما قدرناه لأنا لم نقدر شيئا يقتضي إثبات إلهين تعالى الله حتى يكون حالنا حال من يدفع ما يوجبه هذا الكلام من نفيهما يبين لك ذلك أنه يصح لنا أن نتبع ما قدرناه نفي الاثنين ولا يصح لهم تفسير ذلك أنه يصح أن تقول ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة ولا إلهان لأن ذلك يجري مجرى أن تقول ليس لنا
آلهة ثلاثة ولا إلهان وهذا صحيح ولا يصح لهم أن يقولوا ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ولا إلهان لأن ذلك يجري مجرى أن يقولوا ولا تقولوا آلهتنا إلهان وذلك فاسد فاعرفه وأحسن تأمله ثم إن هاهنا طريقا آخر وهو أن تقدر ولا تقولوا الله والمسيح وأمه ثلاثة أي نعبدهما كما نعبد الله يبين ذلك قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وقد استقر في العرف أنهم إذا أرادوا إلحاق اثنين بواحد في وصف من الأوصاف وأن يجعلوهما شبيهين له قالوا هم ثلاثة كما
يقولون إذا أرادوا إلحاق واحد بآخر وجعله في معناه هما اثنان على هذا السبيل كأنهم يقولون هم يعدون معدا واحدا ويوجب لهم التساوي والتشارك في الصفة والرتبة وما شاكل ذلك واعلم أنه لا معنى لأن يقال إن القول حكاية وإنه إذا كان حكاية لم يلزم منه إثبات الآلهة لأنه يجري مجرى أن تقول إن من دين الكفار أن يقولوا الآلهة ثلاثة وذلك لأن الخطاب في الآية للنصارى أنفسهم ألا ترى إلى قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا
الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم وإذا كان الخطاب للنصارى كان تقدير الحكاية محالا ف لا تقولوا إذا في معنى لا تعتقدوا وإذا كان في معنى الاعتقاد لزم إذا قدر ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة وذلك لأن الاعتقاد يتعلق بالخبر لا بالمخبر عنه فإذا قلت لا تعتقد أن الأمراء ثلاثة نهيته عن أن يعتقد كون الأمراء على هذه العدة لا عن أن