ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 14

دلائل الإعجاز — الجزء الثالث

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 141,785 كلمة في هذا الجزء

الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل لم يفعله فلان أن يقال فمن فعله قدر كأن قائلا قال قد زعمت أن الرياح لم تعف له محلا فما عفاه إذا فقال مجيبا له عفاه من حدا بهم وساقا ومثله قول الوليد بن يزيد من الهزج عرفت المنزل الخالي عفا من بعد أحوال عفاه كل حنان عسوف الوبل هطال لما قال عفا من بعد أحوال قدر كأنه قيل له فما عفاه فقال عفاه كل حنان واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا كان الأكثر أن

لا يذكر الفعل في الجواب ويقتصر على الاسم وحده فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل تفسير هذا أنه يجوز لك إذا قيل إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه أن تقول من حدا بهم وساقا ولا تقول عفاه من حدا كما تقول في جواب من يقول من فعل هذا زيد ولا يجب أن تقول فعله زيد وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل فلو قلت مثلا وما عفت الرياح له محلا من حدا

بهم وساقا تزعم أنك أردت عفاه من حدا بهم ثم تركت ذكر الفعل أحلت لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورا لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب فإذا لم يؤت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل فاعرف ذلك واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولا غير معطوف هذا هو التقدير فيه والله أعلم أعني مثل قوله تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين

فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم دخل قوم على فلان فقالوا كذا أن يقولوا فما قال هو ويقول المجيب قال كذا أخرج الكلام ذلك المخرج لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه وكذلك قوله قال ألا تأكلون وذلك أن قوله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول فكأنه قيل والله أعلم فما

قال حين وضع الطعام بين أيديهم فأتى قوله قال ألا تأكلون جوابا عن ذلك وكذا قالوا لا تخف لأن قوله فأوجس منهم خيفة يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره فكأنه قيل فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة فقيل قالوا لا تخف وذلك والله أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة وفي رد موسى عليه السلام كقوله قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم

موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين جاء ذلك كله والله أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين فلما كان السامع إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال وما رب العالمين وقع في نفسه أن يقول فما قال موسى

له أتى قوله قال رب السماوات والأرض مأتى الجواب مبتدأ مفصولا غير معطوف وهكذا التقدير والتفسير أبدا في كل ما جاء فيه لفظ قال هذا المجيء وقد يكون الأمر في بعض ذلك اشد وضوحا فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب وعلى أن ينزل السامعون كأنهم قالوا فما قال له الملائكة فقيل قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين وكذلك قوله عز وجل في

سورة يس واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم

مهتدون التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بين في ذلك كله ونسأل الله التوفيق للصواب والعصمة من الزلل باب الفصل والوصل فصل في الأصول العامة لوصل الجمل وفصلها وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها فاعلم أنا قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون فيها العطف البتة لشبه العطف فيها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم

يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه فيكون حقها العطف وحملة ليست في شيء من الحالين بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى بل هو شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأسا وحق هذا ترك العطف البتة

فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين وكان له حال بين حالين فاعرفه فصل في مسائل دقيقة في عطف الجمل هذا فن من القول خاص دقيق اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان مثال ذلك قول المتنبي الوافر تولوا بغتة فكأن بينا تهيبني ففاجأني اغتيالا فكان مسير عيسهم ذميلا وسير الدمع

إثرهم انهمالا قوله فكان مسير عيسهم معطوف على تولوا بغتة دون ما يليه من قوله ففاجأني لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى من حيث إنه يدخل في معنى كأن وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة ويكون متوهما كما كان تهيب البين كذلك وهذا أصل كبير والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا ويبن المعطوف عليها الأولى ترتبط في معناها بتلك الأولى كالذي ترى أن قوله فكأن بينا تهيبني مرتبط بقوله تولوا بغتة وذلك أن الثانية مسبب

والأولى سبب ألا ترى أن المعنى تولوا بغتة فتوهمت أن بينا تهيني ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده عل الجملة وأن يعتد كلاما على حدته وهاهنا شيء آخر دقيق وهو أنك إذا نظرت إلى قوله فكان مسير عيسهم ذميلا وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه ولكن تجد العطف قد تناول

جملة البيت مربوطا آخره بأوله ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعيا بكاءه وموجبا أن ينهمل دمعه فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان الدمع وأن يوفق بينهما وكذلك الحكم في الأول فنحن وإن قلنا إن العطف على تولوا بغتة فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده بل العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى أخره وإنما أردنا بقولنا إن العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل

والقاعدة وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه فتزعم أن قوله فكان مسير عيسهم معطوف على فاجأني فتقع في الخطأ كالذي أريناك فأمر العطف إذا موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ثم جعلنا بمجموعهما شرطا

ومثال ذلك قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد ولا في واحدة دون الأخرى لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما عل الانفراد جعلناهما شرطين وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد وإن قلنا إنه في واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط وذلك ما لا يخفى فساده ثم إنا نعلم من

طريق المعنى أن الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين فليس هو الاكتساب الخطيئة على الانفراد ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي وكذلك الحكم أبدا فقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها واعلم أن سبيل الجملتين في هذا وجعلهما

بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة سيبل الجزءين تعقد منهما الجملة ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو حالا كقول زيد قام غلامه وزيد أبوه كريم ومررت برجل أبوه كريم وجاءني زيد يعدو به فرسه فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع الجزءين لا في أحدهما كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في إحداهما وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف فإنك تجده مثله سواء ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى

موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما يليها منع منه المعنى وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله وما كنت ثاويا في أهل مدين معطوفا على قوله فتطاول عليهم العمر وذلك يقتضي دخوله في معنى لكن ويصير كأنه قيل ولكنك ما كنت ثاويا وذلك ما لا يخفى فساده وإذا كان ذلك بان منه أنه ينبغي أن يكون عطف

مجموع وما كنت ثاويا في أهل مدين إلى مرسلين على مجموع قوله وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر إلى قوله العمر فإن قلت فهلا قدرت أن يكون وما كنت ثاويا في أهل مدين معطوفا على وما كنت من الشاهدين دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموما إليه ما بعده إلى قوله العمر قيل لأنا إن قدرنا ذلك وجب أن ينوى به التقديم على قوله ولكنا أنشأنا قرونا وأن يكون الترتيب وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من

الشاهدين وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين وفي ذلك إزالة لكن عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه ذاك لأن سبيل لكن سبيل إلا فكما لا يجوز أن تقول جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرا بجعل إلا زيدا استثناء من جاءني القوم وإلا عمرا من خرج أصحابك كذلك لا يجوز أن تصنع مثل ذلك بلكن فتقول ما جاءني زيد وما خرج عمرو ولكن بكرا حاضر ولكن أخاك خارج فإذا لم يجز