الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل لم يفعله فلان أن يقال فمن فعله قدر كأن قائلا قال قد زعمت أن الرياح لم تعف له محلا فما عفاه إذا فقال مجيبا له عفاه من حدا بهم وساقا ومثله قول الوليد بن يزيد من الهزج عرفت المنزل الخالي عفا من بعد أحوال عفاه كل حنان عسوف الوبل هطال لما قال عفا من بعد أحوال قدر كأنه قيل له فما عفاه فقال عفاه كل حنان واعلم أن السؤال إذا كان ظاهرا مذكورا في مثل هذا كان الأكثر أن
لا يذكر الفعل في الجواب ويقتصر على الاسم وحده فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل تفسير هذا أنه يجوز لك إذا قيل إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه أن تقول من حدا بهم وساقا ولا تقول عفاه من حدا كما تقول في جواب من يقول من فعل هذا زيد ولا يجب أن تقول فعله زيد وأما إذا لم يكن السؤال مذكورا كالذي عليه البيت فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل فلو قلت مثلا وما عفت الرياح له محلا من حدا
بهم وساقا تزعم أنك أردت عفاه من حدا بهم ثم تركت ذكر الفعل أحلت لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورا لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب فإذا لم يؤت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل فاعرف ذلك واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولا غير معطوف هذا هو التقدير فيه والله أعلم أعني مثل قوله تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين
فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم دخل قوم على فلان فقالوا كذا أن يقولوا فما قال هو ويقول المجيب قال كذا أخرج الكلام ذلك المخرج لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه وكذلك قوله قال ألا تأكلون وذلك أن قوله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول فكأنه قيل والله أعلم فما
قال حين وضع الطعام بين أيديهم فأتى قوله قال ألا تأكلون جوابا عن ذلك وكذا قالوا لا تخف لأن قوله فأوجس منهم خيفة يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره فكأنه قيل فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة فقيل قالوا لا تخف وذلك والله أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة وفي رد موسى عليه السلام كقوله قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم
موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين جاء ذلك كله والله أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين فلما كان السامع إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال وما رب العالمين وقع في نفسه أن يقول فما قال موسى
له أتى قوله قال رب السماوات والأرض مأتى الجواب مبتدأ مفصولا غير معطوف وهكذا التقدير والتفسير أبدا في كل ما جاء فيه لفظ قال هذا المجيء وقد يكون الأمر في بعض ذلك اشد وضوحا فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب وعلى أن ينزل السامعون كأنهم قالوا فما قال له الملائكة فقيل قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين وكذلك قوله عز وجل في
سورة يس واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم
مهتدون التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بين في ذلك كله ونسأل الله التوفيق للصواب والعصمة من الزلل باب الفصل والوصل فصل في الأصول العامة لوصل الجمل وفصلها وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها فاعلم أنا قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد فلا يكون فيها العطف البتة لشبه العطف فيها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم
يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه فيكون حقها العطف وحملة ليست في شيء من الحالين بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء فلا يكون إياه ولا مشاركا له في معنى بل هو شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأسا وحق هذا ترك العطف البتة
فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال إلى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين وكان له حال بين حالين فاعرفه فصل في مسائل دقيقة في عطف الجمل هذا فن من القول خاص دقيق اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان مثال ذلك قول المتنبي الوافر تولوا بغتة فكأن بينا تهيبني ففاجأني اغتيالا فكان مسير عيسهم ذميلا وسير الدمع
إثرهم انهمالا قوله فكان مسير عيسهم معطوف على تولوا بغتة دون ما يليه من قوله ففاجأني لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى من حيث إنه يدخل في معنى كأن وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة ويكون متوهما كما كان تهيب البين كذلك وهذا أصل كبير والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا ويبن المعطوف عليها الأولى ترتبط في معناها بتلك الأولى كالذي ترى أن قوله فكأن بينا تهيبني مرتبط بقوله تولوا بغتة وذلك أن الثانية مسبب
والأولى سبب ألا ترى أن المعنى تولوا بغتة فتوهمت أن بينا تهيني ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده عل الجملة وأن يعتد كلاما على حدته وهاهنا شيء آخر دقيق وهو أنك إذا نظرت إلى قوله فكان مسير عيسهم ذميلا وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه ولكن تجد العطف قد تناول
جملة البيت مربوطا آخره بأوله ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعيا بكاءه وموجبا أن ينهمل دمعه فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان الدمع وأن يوفق بينهما وكذلك الحكم في الأول فنحن وإن قلنا إن العطف على تولوا بغتة فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده بل العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى أخره وإنما أردنا بقولنا إن العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل
والقاعدة وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه فتزعم أن قوله فكان مسير عيسهم معطوف على فاجأني فتقع في الخطأ كالذي أريناك فأمر العطف إذا موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ثم جعلنا بمجموعهما شرطا
ومثال ذلك قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد ولا في واحدة دون الأخرى لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما عل الانفراد جعلناهما شرطين وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد وإن قلنا إنه في واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط وذلك ما لا يخفى فساده ثم إنا نعلم من
طريق المعنى أن الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين فليس هو الاكتساب الخطيئة على الانفراد ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي وكذلك الحكم أبدا فقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها واعلم أن سبيل الجملتين في هذا وجعلهما
بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة سيبل الجزءين تعقد منهما الجملة ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو حالا كقول زيد قام غلامه وزيد أبوه كريم ومررت برجل أبوه كريم وجاءني زيد يعدو به فرسه فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع الجزءين لا في أحدهما كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في إحداهما وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف فإنك تجده مثله سواء ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى
موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما يليها منع منه المعنى وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله وما كنت ثاويا في أهل مدين معطوفا على قوله فتطاول عليهم العمر وذلك يقتضي دخوله في معنى لكن ويصير كأنه قيل ولكنك ما كنت ثاويا وذلك ما لا يخفى فساده وإذا كان ذلك بان منه أنه ينبغي أن يكون عطف
مجموع وما كنت ثاويا في أهل مدين إلى مرسلين على مجموع قوله وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر إلى قوله العمر فإن قلت فهلا قدرت أن يكون وما كنت ثاويا في أهل مدين معطوفا على وما كنت من الشاهدين دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموما إليه ما بعده إلى قوله العمر قيل لأنا إن قدرنا ذلك وجب أن ينوى به التقديم على قوله ولكنا أنشأنا قرونا وأن يكون الترتيب وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من
الشاهدين وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين وفي ذلك إزالة لكن عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه ذاك لأن سبيل لكن سبيل إلا فكما لا يجوز أن تقول جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وإلا عمرا بجعل إلا زيدا استثناء من جاءني القوم وإلا عمرا من خرج أصحابك كذلك لا يجوز أن تصنع مثل ذلك بلكن فتقول ما جاءني زيد وما خرج عمرو ولكن بكرا حاضر ولكن أخاك خارج فإذا لم يجز