الليلة التاسعة والعشرون
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية قالت للشاب: لا أقبلك على عدم عقلك وسوء فعلك، ثم تناولت من جانبها سوطاً ونزلت به على ظهري ثم على مقاعدي حتى غبت عن الوجود من كثرة الضرب ثم إنها قالت للجواري: خذوه وامضوا به إلى متولي ليقطع يده التي أكل بها الزرباجة، ولم يغسلها فلما سمعت ذلك قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله أتقطع يدي من أجل أكل الزرباجة وعدم غسلي إياها فدخلن عليها الجواري، وقلن لها: يا أختنا لا تؤاخذيه بفعله هذه المرة، فقالت والله
لا بد أن أقطع شيئاً من أطرافه، ثم راحت وغابت عني عشرة أيام ولم أرها إلا بعد عشرة أيام ثم أقبلت علي وقالت لي: يا أسود الوجه أنا لا أصلح لك فكيف تأكل الزرباجة ولم تغسل يدك ثم صاحت على الجواري فكتفوني وأخذت موساً ماضياً وقطعت إبهامي يدي وإبهامي ورجلي كما ترون يا جماعة فغشي علي، ثم ذرت علي بالذرور فانقطع الدم وقلت في نفسي: لا آكل الزرباجة ما بقيت حتى أغسل يدي أربعين مرة بالإشنان وأربعين مرة بالسعد وأربعين مرة بالصابون فأخذت علي ميثاقاً
أني لا آكل الزرباجة حتى أغسل يدي كما ذكرت لكم فلما جئتم بهذه الزرباجة تغير لوني وقلت في نفسي: هذا سبب إبهامي يدي ورجلي، فلما غصبتم علي قلب: لا بد أن أوفي بما حلفت. فقالت له والجماعة حاضرون ما حصل لك بعد ذلك؟ قال: فلما حلفت لها طاب قلبها ونمت أنا وإياها وأقمنا مدة على هذا الحال وبعد تلك المدة قالت: إن أهل دار الخلافة لا يعلمون بما حصل بيني وبينك فيها وما دخلها أجنبي غيرك وما دخلت فيها إلا بعناية السيدة زبيدة ثم أعطتني
خمسين ألف دينار وقالت: خذ هذه الدنانير واخرج واشتر لنا بها داراً فسيحة فخرجت واشتريت داراً فسيحة مليحة ونقلت جميع ما عندها من النعم وما ادخرته من الأموال والقماش والتحف إلى هذه الدار التي اشتريتها فهذا سبب قطع إبهامي فأكلنا وانصرفنا وبعد ذلك جرى لي مع الأحدب ما جرى وهذا جميع حديثي والسلام، فقال الملك: ما هذا بأعذب من حديث الأحدب بل حديث الأحدب أعذب من ذلك ولا بد صلبكم جميعاً. وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الثلاثين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الملك قال: لا بد من صلبكم جميعاً فتقدم اليهودي وقبل الأرض وقال: يا ملك الزمان أنا أحدثك بحديث أعذب من حديث الأحدب، فقال له ملك الصين هات ما عندك فقال: أعجب ما جرى في زمن شبابي أني كنت في الشام وتعلمت منه صنعة فعملت فيها، فبينما أنا أعمل في صنعتي يوماً من الأيام، إذا تأتي مملوك من بيت الصاحب بدمشق، فخرجت له وتوجهت معه إلى منزل الصاحب فدخلت فرأيت في صدر الإيوان سريراً من المرمر بصفائح الذهب وعليه مريض
راقد وهو شاب لم ير أحسن منه في زمانه فقعدت عند رأسه ودعوت له بالشفاء فأشار إليه بعينيه فقلت له: يا سيدي ناولني يدك فأخرج لي يده اليسرى فتعجبت من ذلك وقلت في نفسي: يا الله العجب أن هذا الشاب مليح ومن بيت كبير وليس عنده أدب إن هذا هو العجب، ثم جسست مفاصله وكتبت له ورقة ومكثت أتردد عليه مدة عشرة أيام وفي اليوم الحادي عشر قال الشاب: هل لك أن نتفرج في الغرفة؟ فقلت: نعم فأمر العبيد أن يطلعوا الفراش إلى فوق وأمرهم
أن يشووا خروفاً وأن يأتوا إلينا بفاكهة ففعل العبيد ما أمرهم به وأتوا بالفاكهة فأكلنا وأكل هو بيده الشمال. فقلت له: حدثني بحديثك فقال لي: يا حكيم الزمان اسمع حكاية ما جرى لي، اعلم أنني من أولاد الموصل وكان لي والد قد توفي أبوه وخلف عشرة أولاد ذكور من جملتهم والدي وكان أكبرهم فكبروا كلهم وتزوجوا ورزق والدي بي وأما إخوته التسعة فلم يرزقوا بأولاد فكبرت أنا وصرت بين أعمامي وهم فرحون بي فرحاً شديداً، فلما كبرت وبلغت مبلغ الرجال وكنت ذات يوم مع والدي
في جامع الموصل وكان اليوم يوم جمعة فصلينا الجمعة وخرج الناس جميعاً وأما والدي وأعمامي فإنهم قعدوا يتحدثون في عجائب البلاد وغرائب المدن إلى أن ذكروا مصر فقال بعض أعمامي: إن المسافرين يقولون: ما على وجه الأرض أحسن من مصر ونيلها، ثم أنهم أخذوا يصفون مصر ونيلها، فلما فرغوا من كلامهم وسمعت أنا هذه الأوصاف التي في مصر صار جاري مشغولاً بها ثم انصرفوا وتوجه كل واحد منهم إلى منزله. فبت تلك الليلة لم يأتني نوم من شغفي بها ولم يطب لي أكل ولا شرب
فلما كان بعد أيام قلائل تجهز أعمامي إلى مصر فبكيت على والدي لأجل الذهاب معهم حتى جهز لي متجراً ومضيت معهم وقال لهم: لا تدعوه يدخل مصر بل اتركوه في دمشق لبيع متجره فيها ثم سافرنا وودعت والدي وخرجنا من الموصل وما زلنا مسافرين إلى أن وصلنا إلى حلب فأقمنا بها أياماً ثم سافرنا إلى أن وصلنا دمشق فرأيناها مدينة ذات أشجار وأنهار وأثمار وأطيار كأنها جنة فيها كل فاكهة فنزلنا في بعض الخانات واستمر بها أعمامي حتى باعوا واشتروا وباعوا بضاعتي فربح الدرهم خمسة
دراهم ففرحت بالربح ثم تركني أعمامي وتوجهوا إلى مصر. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
وفي الليلة الواحدة والثلاثين
قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الشاب لما تركه أعمامه وتوجهوا إلى مصر قال: مكثت بعدهم وسكنت في قاعة مليحة البنيان يعجز عن وصفها اللسان، أجرتها كل شهر بدينارين، وصرت أتلذذ بالمآكل والمشارب حتى صرفت المال الذي كان معي. فبينما أنا قاعد على باب القاعة يوماً من الأيام، وإذا بصبية أقبلت علي وهي لابسة أفخر الملابس وما رأت عيني أفخر منها فعزمت عليها فما قصرت بل صارت داخل الباب؛ فلما دخلت ظفرت بها وفرحت بدخولها فرددت الباب علي وعليها وكشفت عن وجهها وقلعت إزارها فوجدتها
بديعة الجمال، فتمكن حبها من قلبي فقمت وجئت بسفرة من أطيب المأكول والفاكهة وما يحتاج عليه المقام وأكلنا ولعبنا وبعد اللعب شربنا حتى سكرنا ثم نمت معها في أطيب ليلة إلى الصباح، وبعد ذلك أعطيتها عشرة دنانير فحلفت أنها لا تأخذ الدنانير مني ثم قالت: يا حبيبي انتظرني بعد ثلاثة أيام وقت المغرب أكون عندك وهيء لنا بهذه الدنانير مثل هذا. وأعطتني هي عشرة دنانير وودعتني وانصرفت فأخذت عقلي معها.
فلما مضت الأيام الثلاثة أتت وعليها من المزركش أو الحلي والحلل أعظم مما كان عليها أولاً. وكنت هيأت لها ما يليق بالمقام قبل أن تحضر فأكلنا وشربنا ونمنا مثل العادة إلى الصباح ثم أعطتني عشرة دنانير وواعدتني بعد ثلاثة أيام أنها تحضر عندي فهيأت لها ما يليق بالمقام. وبعد ثلاثة أيام حضرت في قماش أعظم من الأول والثاني ثم قالت لي: يا سيدي هل أنا مليحة؟ فقلت: أي والله فقالت: هل تأذن لي أن أجيء معي بصبية أحسن مني وأصغر سناً مني حتى تلعب معنا
ونضحك وإياها فإنها سألتني أن تخرج معي وتبيت معنا لنضحك وإياها ثم أعطتني عشرين ديناراً وقالت لي: زد لنا المقام لأجل الصبية التي تأتي معي، ثم إنها ودعتني وانصرفت، فلما كان اليوم الرابع جهزت لها ما يليق بالمقام على العادة فلما كان بعد المغرب وإذا بها قد أتت ومعها واحدة ملفوفة بإزار فدخلتا وجلستا ففرحت وأوقدت الشموع واستقبلتهما بالفرح والسرور فقامتا ونزعتا ما عليهما من الثياب، وكشفت الصبية الجديدة عن وجهها فرأيتها كالبدر في تمامه فلم أر أحسن منها فقمت وقدمت لهما الأكل والشرب فأكلنا
وشربنا وصرت أقبل الصبية الجديدة وأملأ لها القدح وأشرب معها فغارت الصبية الأولى في الباطن ثم قالت: بالله إن هذه الصبية مليحة أما هي أظرف مني؟ فقلت: أي والله قالت: خاطري أن تنام معها قلت: على رأسي وعيني. ثم قامت وفرشت لنا فقمت ونمت مع الصبية الجديدة إلى وقت الصبح. فلما أصبحت وجدت يدي ملوثة بدم فتحت عيني فوجدت الشمس قد طلعت فنبهت الصبية فتدحرج رأسها عن بطنها فظننت أنها فعلت ذلك من غيرتها منها؛ ففكرت ساعة ثم قمت قلعت ثيابي وحفرت في القاعة ووضعت
الصبية ورددت التراب، وأعدت الرخام كما كان، ورفعت المخدة فوجدت تحتها العقد الذي كان في عنق تلك الصبية فأخذته وتأملته، وبكيت ساعة ثم أقمت يومين. وفي اليوم الثالث دخلت الحمام وغيرت أثوابي وأنا ما معي شيء من الدراهم، فجئت يوماً إلى السوق فوسوس لي الشيطان لأجل إنفاذ القدر فأخذت عقد الجوهر وتوجهت به إلى السوق وناولته للدلال، فقام لي وأجلسني بجانبه وصبر حتى عمر السوق وأخذه الدلال ونادى عليه خفية وأنا لا أعلم. وإذا بالعقد مثمن بلغ ثمنه ألفي دينار فجاءني الدلال وقال لي: إن
هذا العقد نحاس مصنوع بصنعة الإفرنج وقد وصل ثمنه إلى ألف درهم، فقالت له: نعم كنا صنعناه بصنعة الإفرنج لواحدة نضحك عليها به وورثتها زوجتي فرأينا بيعه، فرح واقبض الألف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.