من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة وكذلك حال الخطباء في قرض الشعر وشاعر نفسه قد تختلف حالاته وقال الفرزدق انا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرسي أهون علي من ان أقول بيتا واحدا وقال العجاج لقد قلت أرجوزتي التي أولها
بكيت والمحتزن البكي وإنما يأتي الصبا الصبي أطربا وأنت قنسري والدهر بالانسان دوري وأنا بالرمل فانثالت علي قوافيها انثيالا وأني لا أريد اليوم دونها في الايام الكثيرة فما أقدر عليه وقال لي أبو يعقوب الخزيمي خرجت من منزلي أريد الشماسية فابتدأت القول في مرثية لأبي
التختاخ فرجعت والله وما امكنني بيت واحد وقال الشاعر وقد يقرض الشعر البكيء لسانه وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
بسم الله الرحمن الرحيم
باب من القول في القوافي الظاهرة واللفظ الموجز من ملتقطات كلام النساك
قال بعض الناس من التوقي ترك الافراط في التوقي وقال بعضهم اذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون وقال الشاعر قدر الله وارد حين يقضى وروده فأرد ما يكون إن لم يكن ما تريده وقيل لأعرابي في شكاته كيف تجدك قال أجد ما لا
أشتهي وأشتهي ما لا أجد وأنا في زمان من جاد لم يجد ومن وجد لم يجد وقال بعض النساك أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو وقال بعضهم أعجب من العجب ترك التعجب من العجب وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لعبد بني
مخزوم أني أخاف الله فيما تقلدت قال لست أخاف عليك ان تخاف وإنما أخاف عليك أن لا تخاف وقال الاحنف لمعاوية أخافك إن صدقتك وأخاف الله إن كذبتك وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يجود بنفسه اما ذنوبي فاني أرجو لها مغفرة الله ولكني
اخاف على بناتي الضيعة فقال له صاحبه فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك وقال رجل من النساك لصاحب له مالي أراك حزينا قال كان عندي يتيم أربيه لأوجر فيه فمات فانقطع عنا أجره إذ بطل قيامنا بمؤونته فقال له صاحبه فاجتلب يتيما اخر يقوم
لك مقام الاول قال أخاف ان لا أصيب يتيما في سوء خلقه قال له صاحبه اما انا فلو كنت في موضعك معه لا ذكرت سوء خلقه وقال اخر وسمعه ابو هريرة النحوي وهو يقول ما يمنعني من تعلم القران الا اني أخاف ان أضيعه قال
اما انت فقد عجلت له التضييع ولعلك اذا تعلمته لم تضيعه وقال عمر ابن عبد العزيز لرجل من سيد قومك قال انا قال لوكنت كذلك لم تقل
باب آخر في حسن البيان
وقالوا في حسن البيان وفي التخلص من الخصم بالحق والباطل وفي تخليص الحق من الباطل وفي الاقرار بالحق وفي ترك الفخر بالباطل قال اعرابي وذكر حماس بن ثامل برئت الى الرحمن من كل صاحب أصاحبه إلا حماس بن ثامل وظني به بين السماطين أنه سينجو
بحق أو سينجو بباطل وقال العجير السلولي وإن ابن زيد لا بن عمي وإنه لبلال أيدي جلة الشول بالدم طلوع الثنايا بالمطايا وإنه غداة المرادى للخطيب المقدم يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ويكفيك ما حملته حين تغرم وقال ابن ربع الهذلي أعيني ألا فابكي رقيبة انه
وصول لأرحام ومعطاء لسائل فأقسم لو أدركته لحميته وان كان لم يترك مقالا لقائل وقال بعض اليهود وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير وبعثه رسول الله الى خيبر فقتلوه سائل بنا خابر أكفائنا والعلم قد يلفى لدى السائل إنا اذا مالت دواعي الهوى
وأنصت السامع للقائل واصطرع الناس بألبابهم نقضي بحكم عادل فاصل لا نجعل الباطل حقا ولا نلط دون الحق بالباطل نكره أن تسفه احلامنا فنخمل الدهر مع الخامل وقال الاخر وذكر حماسا ايضا أتاني حماس بابن ما هي يسوقه ليبغيه خيرا وليس بفاعل ليعطي عبسا مالنا
وصدورنا من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل وقافية قيلت لكم لم أجد لها جوابا اذا لم تضربوا بالمناصل فأنطق في حق بحق ولم يكن ليرحض عنكم قالة الخزي باطلي وقال عمرو بن معد يكرب فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
وقال ابو عبيدة صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والازد يا معشر بني تميم أطلقوا من لساني قال أبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة فصاح لاعيا ولا شللا والعرب تقول عي أبأس من شلل كأن العي فوق كل زمانه وقالت الجهضمية
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ومن عنده علم وحلم ونائل وذوخطب يوما اذا القوم افحموا تصيب مرادي قوله ما يحاول بصير بعورات الكلام اذا التقى شريجان بين القوم حق وباطل أتي لما يأتي الكريم بسيفه وان أسلمته جنده والقبائل وليس بمعطاء الظلامة عن يد ولا
دون أعلى سورة المجد قابل وأنشد ابو عبيدة في الخطيب يطول كلامه ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره وان شغب شاغب فقطع عليه كلامه أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه الى تدبير اخر وصل الثاني من كلامه بالاول حتى لا يكون أحد
كلاميه أجود من الآخر فان أحدثوا شغبا يقطع نظمها فانك وصال لما قطع الشغب ولو كنت نساجا سدوت خطابها بقول كطعم الشهد بالبارد العذب وقال نصيب وما بذلت ابتذال الثوب ودكم وعائد خلقا ما كان يبتذل وعلمك الشيء تهوى ان تبينه أشفى بقلبك من أخبار
من تسل وقال الاخر لعمرك ماود اللسان بنافع اذا لم يكن أصل المودة في الصدر وقال الآخر تعلم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل وان كبير القوم لا علم عنده صغير اذا التفت عليه المحافل وقال الآخر فتى مثل صفو الماء
ليس بباخل عليك ولا مهد ملاما لباخل ولا قائل عوراء تؤذي رفيقه ولا رافع رأسا بعوراء قائل ولا مسلم مولى لأمر يصيبه ولا خالط حقا مصيبا بباطل ولا رافع أحدوثة السوء معجبا بها بين أيدي المجلس المتقابل ترى أهله في نعمة وهو شاحب طوي البطن
مخماص الضحى والاصائل وقالت أخت يزيد بن الطثرية أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري قريبا وقد غالت يزيد غوائله فتى قد قد السيف لا متضائل ولا رهل لباته وبآدله فتى لا يرى خرق القميص بخصره ولكنما توهي القميص كواهله اذا نزل الاضياف كان عذورا على
الحي حتى تستقل مراجله مضى فورثناه دريس مفاضه وأبيض هنديا طويلا حمائلة يسرك مظلوما ويرضيك ظالما وكل الذي حملته فهو حامله أخو الجد ان جد الرجال وشمروا وذو باطل ان شئت ألهاك باطله باب شعر وغير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب قال
الشاعر عجبت لأقوام يعيبون خطبتي وما منهم في موقف بخطيب وقال الآخر ان الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا لا يعجبنك من خطيب قوله حتى يكون مع اللسان أصيلا وأنشد الاخر أبر فما يزداد إلا حماقة ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه قد
يكون رديء العقل جيد اللسان وكان ابو العباس الاعمى يقول اذا وصف الاسلام أحسن وصفه بفيه ويأبى قلبه ويهاجره وان قام قال الحق ما دام قائما تقي اللسان كافر بعد سائره يقول انه يتيه عن قوله ويأباه ويهجره ويقول الحق على منبره بلسانه وسائره كافر
وقال قيس بن عاصم المنقري يذكر ما في بني منقر من الخطابة إني امرؤ لا يعتري خلقي دنس يفنده ولا أفن من منقر في بيت مكرمة والأصيل ينبت حوله الغصن خطباء حين يقوم قائلهم بيض الوجوه مصاقع لسن لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحسن جوارهم
فطن من هذا الباب وليس منه في الجملة قول الآخر أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة مذعور ولم تتكلم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المسلم وقال نصيب يقول فيحسن القول ابن ليلى ويفعل فوق أحسن ما يقول وقال اخر ألا رب
خم ذي فنون علوته وان كان ألوى يشبه الحق باطله فهذا هو معنى قول العتابي البلاغة إظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل في صورة الحق وقال الشاعر وهو كما قال عجبت لإدلال العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعيي
وإنما صحيفة لب المرء ان يتكلما وموضع الصحيفة من هذا البيت موضع ذكر العنوان في شعره الذي رثى به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يقول ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا وأنشد أيضا ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل
وكل في الهوى ليث وفيما نابه فسل وليس الشأن في الوصل ولكن ان يرى الفضل وقال كسرى أنو شروان لبزرجمهر أي الاشياء خير للمرء العيي قال عقل يعيش به قال فان لم يكن له عقل قال فاخوان يسترون عليه قال فان لم يكن له اخوان
قال فمال يتحبب به الى الناس قال فان لم يكن له مال قال فعي صامت قال فان لم يكن ذلك قال فموت مريح وقال موسى بن يحيى بن خالد قال ابو علي رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله وأصدق شاهد على غيبه لك
ومعناه فيك من أضعاف ذلك على المشافهة و المواجهة
باب آخر
ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوه كبرود العصب وكالحلل والمعاطف والديباج والوشي وأشباه ذلك وأنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلالي لا يشترى الحمد امنية ولا يشترى الحمد بالمقصر ولكنما يشترى غاليا فمن يعط قيمته يشتر وممن يعتطف على مئزر فنعم الرداء على المئزر وأنشدني لابن
ميادة نعم أنني مهد ثناء ومدحة كبرد يمان يربح البيع تاجره وأنشدني فان أهلك فقد أبقيت بعدي قوافي تعجب المتمئلينا لذيذات المقاطع محكمات لو ان الشعر يلبس لارتدينا وقال ابو قردودة يرثي ابن عمار قتيل النعمان ووصف كلامه وقد كان نهاه عن منادمته اني نهيت
ابن عمار وقلت له لا تأمنن أحمر العينين والشعره إن الملوك متى تنزل بساحتهم تطر بنارك من نيرانهم شرره يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره وقال الشاعر في مديح احمد بن ابي دؤاد وعويص من الامور بهيم غامض الشخص مظلم
مستور قد تسهلت ما توعر منه بلسان يزينه التحبير مثل وشي البرود هلهله النسج وعند الحجاج در نثير حسن الصمت والمقاطع إما أنصت القوم والحديث يدور ثم من بعد لحظة تورث اليسر وعرض مهذب موفور مما يضم الى هذا وليس منه بعينه قول جميل بن
معمر نمت في الروابي من معد وأفلجت على الخفرات الغر وهي وريد أناة على نيرين اضحى لداتها بلين بلاء الريط وهي جديد ومن هذا الشكل وليس منه بعينه قول الشاعر
على كل ذي نيرين زيد محاله محالا وفي أضلاعه زيد أضلعا وقال ابو يعقوب الخزيمي الاعور أول شعر قلته هذان البيتان بقلبي سقام لست أحسن وصفه على أنه ما كان فهو شديد تمر به الأيام تسحب ذيلها فتبلى له الأيام وهو جديد وقال آخر وهو
ابو الاسود الدؤلي أبي القلب إلا ام عمرو وحبها عجوزا ومن يحبب عجوزا يفند كبرد اليماني قد تقادم عهده ورقعته ما شئت في العين واليد وقال ابن هرمة إن الأديم الذي أصبحت تعركه جهلا لذو نغل باد وذو حلم ولن يبط بأيدي الخالقين ولا أيدي
الخوالق إلا جيد الأدم وفي غير هذا الباب وهو قريب منه قول ذي الرمة في قعر حجر من ذؤابة عامر إمام هدى مستبصر الحكم عادله كأن على أعطافه ماء مذهب اذا سمل السربال طارت رعابله وهو الذي يقول حوراء في دعج صفراء في نعج كأنها
فضة قد مستها ذهب وقال الاعشى بيضاء ضحونها وصفراء العشية كالعراره وقال اخر قد علمت بيضاء صفراء الأصل لأغنين اليوم ما أغنى رجل وقال بشار بن برد وخذي ملابس زينة ومصبغات فهي أفخر واذا دخلت تقنعي بالحمر ان الحسن أحمر وهذان أعميان قد اهتديا من
حقائق هذا الامر الى مالا يبلغه تمييز البصير ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لاحد ولولا انه في كتاب الرجل والمرأة وفي باب القول في الانسان في كتاب الحيوان أليق وأذكى لذكرناه في هذا الموضع ومما ذكروا فيه الوزن قوله زني ألقوم حتى تعرفي
عند وزنهم اذا رفع الميزان كيف أميل