ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 6 من 15

كتاب نقد الشعر

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 6 من 151,790 كلمة في هذا الجزء

ومَرْضَى إذا لاقوا حياءً وعفةً ... وعند الحفاظِ كالليوثِ الخوادِرِ

لَهُمْ ذُلُّ إنصافٍ ولينُ تواضُعٍ ... ومِنْ عِزِّهم ذلَّتْ رقابُ المَعَاشِرِ

كَأَنَّ بهمْ وصْماً يخافونَ عارَهُ ... وليسَ بهمْ إلا اتقاءُ المعايِرِ

ثم من الشعراء الآن من يجمل المديح، فيكون ذلك باباً من أبوابه حسناً أيضاً، لبلوغه الإرادة، مع خلوه من الإطالة، وبعد من الإكثار، ودخوله في باب الاختصار.

فمن ذلك قول الحطيئة:

تزورُ امراً يعطِى على الحَمْدِ مالهُ ... ومن يعطِ أثمانَ المكارمِ يحمدِ

يرى البخل لا يُبْقِى على المرءِ مالَهُ ... ويعلمُ أن المالَ غيرُ مخلَّدِ

كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألتَهُ ... تهَلَّلَ واهْتَزَّ اهتزازَ المُهَنَّدِ

متَى تَأتِهِ تعشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندهَا خيرُ موقِدِ

فقد تصرف في الأبيات الأول في أصناف المديح المتقدم ذكرها، وأتى بجماع الوصف وجملة المديح على سبيل الاختصار في البيت الأخير.

ومن ذلك قول الشماخ:

رأيتُ عرابة الأوسيَّ يَسْمُو ... إلى الخيراتِ منقطعَ القرينِ

إذا ما رايةٌ رفعتْ لمجدٍ ... تلقاهَا عرابةُ باليمينِ

وقد أومأ أبو السمط مروان بن أبي حفصة في مدحه شراحيل بن معن بن زائدة

إيماء موجزاً ظريفاً، أتى على كثير من المدح باختصار وإشارة بديعة، حيث قال:

رأيت ابن معنِ أنطقَ الناسَ جودهُ ... فكلَّف قول الشعرِ من كانَ مفحمَا

وأرخصَ بالعدلِ السلاحَ بأرضنا ... فما يبلغُ السيفُ المهندُ درهمَا

ومن الشعراء أيضاً من يغرق في المدح بفضيلة واحدة أو اثنتين، فيأتي على آخر ما في كل واحدة منهما أو أكثره، وذلك، إذا فعل، مصاب به الغرض في الوقوع على الفضائل، ومقصر عن المدح الجامع لها؛ لكنه يجود المديح حينئذ كلما أغرق في أوصاف الفضيلة،

وأتي بجميع خواصها أو أكثرها، وذلك مثلاً في الجرأة والإقدام، كما قال الفرزدق لسالم الغداني، حين قتل قاتل أخيه، العائذ بجوار عبد الملك:

إذا كنتَ في دارٍ تخافُ بها الردَى ... فصممْ كتصميم الغدانيِّ سالِم

سخَا طلباً للوترِ نفْساً بموتِهِ ... فماتَ كريماً عائِفاً للملائِم

نقيُّ ثيابِ الذكرِ من دنَس الخَنَا ... يناجِي ضميراً مستدفَّ العزائمِ

إذا همَّ أفرَى ما بهِ همَّ ماضياً ... على الهَوْلِ طلاعاً ثنايَا العظائمِ

ولما رأى السلطانَ لا ينصفونهُ ... قضَى بينَ أيديهمْ بأبيضَ صارمِ

أقسام المدح

وقد ينبغي أن يعلم مدائح الرجال، وهي التي صمدنا الكلام فيها في هذا الباب، تنقسم أقساماً بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، وضروب الصناعات، والتبدي والتحضر، وأنه يحتاج إلى الوقوف على المعنى بمدح كل قسم من هذه الأقسام.

مدح الملوك

فأما إصابة الوجه في مدح الملوك، فمثل قول النابغة الذبياني في النعمان بن المنذر:

ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترَى كل ملكٍ دونَهَا يتذبذَبُ

بأنكَ شمسٌ والمُلُوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبْدُ منهنَّ كوكبُ

ومثل ذلك قول نصيب في سليمان بن عبد الملك:

أقولُ لركبٍ قافِلينَ لقيتُهُمْ ... قَفَا ذاتِ أوشالٍ ومولاك قارِبُ

قفُوا خبرونِي عن سليمانَ إنَّني ... لمعروفِهِ من أَهْل ودانَ طالبُ

فعاجُوا فأثنوْا بالذِي أنت أَهْلُهُ ... ولو سكَتُوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ

هوَ البدرُ والناسُ الكواكبُ حولهُ ... وهل يشبهُ البدرَ المضيءَ الكواكبُ

ومثل قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه وهو عامل مصر:

لمَّا وقفتُ عليهِ في الجُموع ضحىً ... وقدْ تعرضتِ الحجابُ والخِدَمُ

حييتُهُ بسلامٍ وهوَ مرتفقٌ ... وضجةُ القومِ عندَ الباب تزدحِمُ

في كفهِ خيزرانٌ ريحُهُا عبقٌ ... من كفِّ أروعَ في عرنينهِ شممُ

يغضى حياءً ويغضَى من مهابَتِهِ ... فَمَا يكلمُ إلا حينَ يبتسِمُ

كلتَا يديهِ ربيعٌ غيرُ ذي خَلَفٍ ... هُذِي خروجٌ وهذِي عارض هَزِمُ

ومثل قول أبي العتاهية في الهادي بن المهدي:

يَضْطَرِبُ الخَوْفُ والرجاءُ إذا ... حرَّكَ موسَى القضيبَ أو فَكَّرْ

مدح ذوي الصناعات

وأما مدح ذوي الصناعات، فأن يمدح الوزير والكاتب بما يليق بالفكرة والروية وحسن التنفيذ والسياسة، فإن انضاف إلى ذلك الوصف بالسرعة في إصابة الحزم والاستغناء بحضور الذهن عن الإبطاء لطلب الإصابة، كان أحسن وأكمل للمدح، كما قال:

بَدِيهتُهُ وفِكْرَتُهُ سوَاءٌ ... إذا بعُدَ الصوابُ من المُشير

وكما قال أشجع:

بديهتُهُ مثلُ تفكيرهِ ... مَتَى رُمْتَهُ فهوَ مستجمِعُ

وكما قال منصور النمري:

وليْسَ لأعباءِ الأمورِ إذا اعْتَرَتْ ... بمكترثٍ لكنْ لهنَّ صبورُ

يرَى ساكِنَ الأوصالِ باسطَ وجههِ ... يريكَ الهوينَا والأمورُ تطيرُ

مدح القائد

وأما مدح القائد فيما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب شدة البطش والبسالة، فإن أضيف إلى ذلك المدح بالجود والسماحة والتخرق في البذل والعطية، كان المديح حسناً، والنعت تاماً، إذ كان لهم السخاء أخا الشجاعة، وكانا في أكثر الأمور

موجودين في بعداء الهمم وأهل الإقدام والصولة.

وذلك كما قال بعض الشعراء في جمع البأس والجود:

فتىً دهرُهُ شطرانِ فيمَا ينوبُهُ ... ففِي بأسه شطرٌ وفي جودِهِ شَطْرُ

فلا من بغاةِ الخَيْر في عَيْنِهِ قَذَىً ... ولا منْ زئير الحرْب في أذنه وَقْرُ

وكما قال منصور النمري في إفراده ذكر البأس وحده:

تَرَى الخيلَ يومَ الروعِ يظمأنَ تَحْتَهُ ... وتروَى القَنَا في كَفِّه والمناصِلُ

حلالٌ لأطراف الأسنَّة نَحْرُهُ ... حرامٌ عليها متنُهُ والكَوَاهِلُ

وكما قال بشار بن برد:

ألا أيُّها الحاسِدُ المُبْتَغِى ... نجومَ السماءِ بسعيٍ أممْ

سمِعْت بمكرمةِ ابنِ العلاءِ ... فأنشأَت تطلبُهَا لَسْتَ ثَمْ

إذا عرضَ اللهوُ في صدرهِ ... لهَا بالعطاءَ وضرْبِ البَهَمْ

يَلَذُّ العَطَاءَ وسَفْكَ الدماءِ ... فيَغْدُو عَلَى نِعمِ أو نِقَمْ

فقُلْ للخليفةِ إن جئتهُ ... نصيحاً ولا خيرَ فِي المتهمْ

إذَا أيقظتكَ حروبُ العدَى ... فنبهْ لها عُمَراً ثُمَّ نَمْ

فتىً لا ينامُ عَلَى دِمْنَةٍ ... ولا يشربُ الماءَ إلا بدَمْ

مدح السوقة

وأما مدح السوقة من البادية والحاضرة، فينقسم قسمين، بحسب انقسام السوقة إلى المتعيشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب، وإلى الصعاليك والخراب والمتلصصة ومن جرى مجراهم.

فمدح القسم الأول: يكون بما يضاهي القضائل النفسانية التي قدمنا ذكرها خالياً من مثل مدح الملوك ومن قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب والقواد، وذلك مثل قول الشاعر:

متراحمينَ ذوُو يسارِهِمُ ... يتعاطفونَ علَى ذوِي الفقرِ

وذوُو معاسرِهم كأنهمُ ... من صِدْقِ عفتِهِمْ ذوُو وَفْرِ

متجملينَ لطيبِ خيمهمُ ... لا يهلعونَ لنبوَة الدهرِ

ومدح القسم الثاني يكون بما يضاهي المذهب الذي يسلكه أهله من الإقدام

والفتك والتشمير والجلد والتيقظ والصبر، مع التخرق والسماحة، وقلة الاكتراث للخطوب الملمة، كما قال تأبط شراً يمدح شمس ابن مالك:

إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌ ... به لابْنِ عمِّ الصِّدْقِ شمسْ بن مالك

أهزُّ بهِ في ندوَة الحيَّ عِطْفَهِ ... كما هَزَّ عِطْفِي بالهجانِ الأواركِ

لطيفُ الحوايَا يقسمُ الزادَ بينه ... سواءً وبين الذئب قسمَ المشاركِ

يظلُّ بموماةٍ ويمْسِى بغيرها ... جَحِيشاً ويعروْرِي ظهورَ المهالكِ

كأنَّ بهِ في البُرْدِ أثناءَ حَيَّةٍ ... بعيدُ الخُطَى شتى النَّوَى والمسالِكِ

وَيسسْقُ وفد الريحِ من حيثُ تنتحِي ... بمنخرقٍ من شدهِ المتداركِ

إذا خاطَ عينيهِ كرَى النوم لم يَزَل ... لهُ كالئ من قلبِ شيخانَ فاتكِ

وإن طلعتْ أولَى العدىِّ فنفرهُ ... إلى سلةٍ من صارِم الغربِ باتكِ

إذا هزهُ في عظم قرنِ تهللتْ ... نواجذُ أفواهِ المنايَا الضواحكِ

قليلُ التشكِّي للمهمِّ يصيبهُ ... رحيبُ مناخِ العِيس سهلُ المباركِ

وقال أبو كبير الهذلي:

ولقدْ سريتُ على الظلامِ بمغشمٍ ... جلدٍ من الفتيانِ غيرِ مثقلِ

ممنْ حملن به وهنَّ عواقدٌ ... حبكَ النطاقِ فشبَّ غيرَ مهبلِ

حملتْ بهِ في ليلةٍ مزؤودةٍ ... كرهاً وعقدُ نطاقهَا لمْ يحللِ

فأتتْ به حوشَ الفؤادِ مبطّناً ... سهداً إذا ما نامَ ليلُ الهوجلِ

ومبرأً من كلِّ غبرِ حيضةٍ ... وفسادِ مرضعةٍ وداءٍ مغيلِ

ما إنْ يمسُّ الأرضَ إلا منكبّ ... منهُ وحرفُ الساق طي المِحْمل

فإذَا طرحتَ له الحصاةَ رأيتهُ ... ينزُو لوقعتهَا نزوَّ الأخيلِ

وإذا يهبُّ من المنامِ رأيتهُ ... كرتوب كعبِ الساقِ ليسَ بزملِ

وإذا رميتَ بهِ الفجاجَ رأيتهُ ... ينضُو مخارمهَا هوىَّ الأجدلِ

وإذا نظرتَ إلى أسرةِ وجههِ ... برقتْ كبرقِ العارضِ المتهللِ

يحمِى الصحابَ إذا تكونُ كريهةٌ ... وإذا همُ أزموا فمأوَى العيلِ

ثم نعقب الكلام في المديح بالكلام في الهجاء.

نعت الهجاء

إنه قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقته،

ما تقدم من قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم ننزل الطبقات على مقدار قلة أصناف الأهاجي فيها وكثرتها.

فمن الهجاء المقذع الموجع ما أنشدناه أحمد بن يحيى:

كائرْ بسعدٍ إن سعْداً كثيرةٌ ... ولا تبغِ من سَعْدٍ وَفَاءً ولا نَصْرَا

ولا تَدْعُ سَعْداً للقِرَاعِ وخَلِّهَا، ... إذا أَمِنَتْ، وَرَعْيَهَا البَلَدَ القَفْرَا

يروعكَ من سعدِ بن عمروٍ جسومُهَا ... وتزهدُ فيهَا حينَ تقتلهَا خبْرَا

فمن إصابة المعنى في هذا الهجاء أن هذا الشاعر سلم لهؤلاء القوم أمرين يظن أنهما فضيلتان، وليستا بحسب ما وصفناه من الفضائل مصيبتين، وهما كثرة العدد وعظم الخلق، وغزا بذلك مغازي دلت على حذقه بالشعر، فمنها أن أدخل هجاءه لهم في باب الأقوال الصادقة لإعطائه

إياهم شيئاً ومنعه له شيئاً آخر، وقصده بذلك لأن يظن أن قوله فيهم إنما هو على سبيل الصدق، وذكره إياهم بما هم من جيد ورديء، ومنها ما بان من معرفته بالفضائل حتى ميز صحيحها من باطلها، فسلم الباطلة ومنه الصحيحة، ومنها أن قطع عن هؤلاء

القوم ما يعتذر به الكرام من قلة العدد، فإن الكرام أبداً فيهم قلة، كما قال السموأل ابن عاديا:

تعيرنَا أنَّا قليلٌ عديدنَا ... فقلتُ لها إن الكِرام قليلُ

ومن خبيث الهجاء ما أنشدني أحمد بن يحيى أيضاً:

إن يغدرُوا أو يفجرُوا ... أو يبخلُوا لا يحفلُوا

يغْدُوا عليكَ مرجل ... ينَ كأنهمْ لم يفعَلُوا

فمن جودة هذا الهجاء أن الشاعر تعمد أضداد الفضائل على الحقيقة فجعلها فيهم، لأن الغدر ضد الوفاء، والفجور ضد الصدق، والبخل ضد الجود، ثم أتى بعد ذلك بضد أجل الفضائل وهو العقل، حيث قال:

يغدُوا عليكَ مرجِل ... ين كأَنَّهُمْ لَمْ يفعَلُوا

لأن هذا الفعل إنما هو من أفعال أهل الجهل والبهيمية والقحة التي هي من عمي القوة المميزة، كما قال جالينوس في كتابه في أخلاق النفس.

ولزياد الأعجم في غياظ بن حصين بن المنذر:

وسميتَ غيَّاظاً ولستَ بغائظٍ ... عدوَّاً، ولكنَّ الصديق تغيظُ

عدوكَ مسرورٌ وذو الودِّ للذِي ... أتى منكَ من غيظٍ عليكَ كظيظُ