ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 15

كتاب نقد الشعر

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 151,787 كلمة في هذا الجزء

فأما من جهة ما هي قافية، فليس ذلك ذاتاً يجب لها أن يكون لها به ائتلاف مع شيء آخر، إذ كانت هذه اللفظة إنما قيل فيها: إنها قافية من أجل أنها مقطع البيت وآخره، وليس أنها مقطع ذاتي لها، وإنما هو شيء عرض لها بسبب

أنه لم يوجد بعدها لفظ من البيت غيرها، وليس الترتيب، وأن لا يوجد للشيء تال يتلوه، ذاتاً قائمةً فيه، فهذا هو السبب في أن لم يكن للقافية من جهة ما هي قافية تأليف مع غيرها.

فأما من جهة ما تدل عليه، فإن ذلك تأليف معنى إلى ما يتألف معه، إلا أني نسبته في هذا الكتاب إلى القافية على سبيل التسمية، وإن أراد مريد أن ينسب ذلك إلى أنه تأليف معنى القافية إلى ما يتألف معه لم أضايقه، فصار ما حدث

من أقسام ائتلاف بعض هذه الأسباب إلى بعض: أربعة، وهي: ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى مع القافية، وصارت أجناس الشعر ثمانية، وهي: الأربعة المفردات البسائط التي يدل عليها حده، والأربعة المؤلفات منها.

ولما كان لكل واحد من هذه الثمانية صفات يمدح بها، وأحوال يعاب من أجلها، وجب أ، يكون

جيد ذلك ورديئه لاحقين للشعر، إذ كان ليس يخرج شيء منه عنها، فلنبدأ بذكر أوصاف الجودة في واحد واحد منها، ليكون مجموع ذلك إذا اجتمع للشعر كان في نهاية الجودة، ونعقب ذلك بذكر العيوب، ليكون أيضاً مجموع ذلك إذا اجتمع في شعر كان في نهاية

الرداءة، ولا محالة أنه إذا كان هذان الطرفان مشتملين على جميع

النعوت والعيوب التي نذكرها، ولم يكن كل شعر جامعاً جميع النعوت أو جميع العيوب، وجب أن تكون الوسائط التي بين المدح والذم تشتمل على صفات محمودة وصفات مذمومة، فما كان فيه من النعوت أكثر، كان إلى الجودة أميل، وما كان فيه من العيوب أكثر كان

إلى الرداءة أقرب، وما تكافأت فيه النعوت والعيوب كان وسطاً بين المدح والذم، وتنزيل ذلك إذا حضر ما في الطرفين من النعوت والعيوب لا يبعد على من أعمل الفكر وأحسن سبر الشعر.

الفصل الثاني

النعوت

فلنبدأ من ذكر الأجناس الثمانية بأولها من الأربعة المفردات، وهو اللفظ، ونذكر نعوت ذلك ونعوت سائر الأجناس، ونجعل هذا الفصل مقصوراً على ذكر النعوت.

نعت اللفظ

أن يكون سمحاً، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من سائر النعوت للشعر، منها أبيات من تشبيب قصيدة للحادرة الذبياني، وهي:

وَتَصَدَّفَتْ حتَّى اسْتَبَتْكَ بِوَاضِحٍ ... صلْتٍ كَمُنْتَصَبِ الغَزَالِ الأَتْلَعِ

وَبمُقْلَتَيْ حَوْراء تَحْسِبُ طَرْفَهَا ... وَسْنَانَ حُرةِ مُسْتَهَلِّ المَدْمَعِ

وإذا تُنَازعكَ الحَدِيثَ رأَيتَها ... حَسَناً تَبسُّمُهَا لَذِيذَ المَكْرَعِ

كَغَرِيضِ سَارِيةٍ أَدرَّتْهُ الصَّبا ... بنزيلِ أسجَرَ طيِّب المُسْتَنْقَعِ

لَعِبَ السُّيُولُ بِهِ فأَصْبحَ مَاؤُهُ ... غَلَلاً تقطَّعَ في أُصُولِ الخِرْوَع

فَسُمَىَّ ويْحَكِ هَلْ عَلِمْتِ بِفتْيَةٍ ... غادَيْتُ لذَّتَهُمُ بأدْكَنَ مُتْرَع

بكَرُوا عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ فصبحْتُهُمْ ... من عَاتِقٍ كَدمِ الذَّبِيحِ مُشَعْشعِ

ومن هذا الجنس قول محمد بن عبد الله السلاماني:

ألا رُبَّمَا هاجت لك الشَّوْق عَرْصَةٌ ... بِمَرّانَ تَمْرِيها الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ

بها رَسْمُ أَطْلاَلٍ وَجثْمٌ خَوَاشِعُ ... علَيْهِنَّ تَبْكِي الهَاتِفَاتُ السَّوَاجعُ

وَبِيضٌ تَهَادَى في الرِّياط كأَنَّها ... مَهَا رَبْوَةٍ طَابَتْ لَهُنَّ الْمراتِعُ

تحَرَّيْنَ مِنَّا مَوْعِداً بعد رِقْبَةٍ ... بِأَعْقَرَ تَعْلُوهُ الشُّروجُ الدَّوَافعُ

فَجِثن هُدُوَّاً والثِّيَابُ كأَنَّهَا مِنَ الطَّلِّ بَلَّتْها الرِّهَامُ النَّوَاشِعُ

طُرُوقاً وأَلجأَنا الهَوَى نَحْوَ رُبْوَةٍ ... بها غفَلتْ عَنَّا العُيُونُ الخَوادِعُ

فلمَّا قَضَيْنا غُصَّةً من عِتَابِنَا ... وقدْ فَاض مِن بَعْد العِتَابِ المَدَامِعُ

جرًى بيْنَنا مِنَّا رَسِيسٌ يزيدُنا ... سقاماً إذا ما اسْتيقنتْهُ المسامِعُ

قَلِلاً وكان اللَّيْلُ في ذاك ساعةً ... وقُمنَ ومعرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ صادِعُ

ووَليّنَ مِنْ وجدٍ بِمِثْلِ الّذِي بِنَا ... وَسَالتْ علَى آثارِهِنَّ المْدَارِعُ

يُزَجِّين بِكْراً يَبْهَرُ الرَّيْطُ متْنَهَا كما مَار ثُعْبَانُ الْغَضا المُتَدَافِعُ

وقُمْنَا إلى خُوصٍ كأَنَّ عُيُونها ... قِلاتٌ تَرَاخى ماؤُها فهُو نَاصِعُ

ومنه بيتان للشماخ يذكر نهيق الحمار:

إذا نَبَرَ التَّعْشِير نبْراً كأنَّهُ ... بِقارِحِهِ مِنْ خَلْفِ نَاجِذِهِ شجِ

بعيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أوّلُ صَوْتِهِ ... سَحِيلٌ وأدْنَاهُ شحيجُ مُحَشْرَجِ

ومنها أبيات لجبيهاء الأشجعي:

أمِنَ الْجَمِيعِ بذِي الْيفَاعِ رُبُوعُ ... رَاعتْ فُؤَادَكَ والرُّبُوعُ تَرُوعُ

مِنْ بعْدِ ما بَلِيَتْ وغيَّرَ آيَها ... قَطْرٌ ومُسْبَلَةُ الذُّيُولِ خَرِيعُ

جوالَةٌ بِرُبى الْمَلاَ غوْليَّةٌ ... برَغامِهِنَّ مُربَّةٌ زُعْزُوعُ

يا صاحِبيَّ ألاَ ارْفعاني إنَّهُ ... يَشْفِى الصُّدَاعَ فَيَذْهَلُ المرْفُوعُ

ألواحَ نَاجيةٍ كأَنَّ تَلِيلَهَا ... جِذْعٌ تُطِيفُ به الرُّقاةُ منِيعُ

في كُلِّ مُطَّرِدِ الدُّفَاقِ كَأَنَّهُ ... نسْرٌ يُرَنِّقُ حَانَ مِنْهُ وُقُوعُ

تَنْجُو إذَا نَجِدَتْ وعارَضَ أوْبَهَا ... سِلَقٌ أَلْحْنَ مِن النِّيَاطِ خَضُوعُ

عرّسْنَ دائِرَةَ الظَّهيرَةِ بَعْدَمَا ... وُغِّرْنَ والحدَقُ الكنِينُ خَشُوعٌ

بأَمقَّ أَغْبَر يَلْتَقِي حنَّانَهُ ... للرِّيحِ بَيْنَ فُرُوعِهِ ترْجِيعُ

يَعْتَسُّ مَنْزِلَهُنَّ أَطْلَسُ جَائِعٌ ... طَيَّانُ يُتْلَفُ مالَهُ ويَضِيعُ

ومثله أيضاً:

وَلَمَّا قَضَيْنَا من منىً كُلَّ حَاجَةٍ ... ومَسَّحَ بالأركانِ منْ هُوَ ماسِحُ

وشُدَّتْ عَلَى دُهْمِ المَهارَى رِحَالُهَا ... ولم يَنْظُرِ الغادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ

أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأحَاديثِ بَيْنناَ ... وَسَالتْ بِأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأبَاطِحُ

نعت الوزن

أن يكون سهل العروض من أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من أكثر نعوت الشعر، منها قصيدة حسان:

ما هَاجَ حسَّانَ رُسُومُ المُقَامْ ... وَمَظْعَنُ الحيِّ وَمَبْنى الخِيامْ

والنُّؤْيُ قد هدَّمَ أعْضَادَهُ ... تقَادُمُ العَهْدِ بِوَادِ تِهامْ

قَدْ أدْرَكَ الوَاشُونَ ما أمَّلُوا ... وَالحبْلُ مِنْ شَعْثاءِ رَثُّ الرِّمَامْ

كأَنَّ فَاهاً ثَغَبٌ بَارِدٌ ... في رصَفٍ تَحْتَ ظِلالِ الْغَمَامْ

ومنها قصيدة طرفة:

من عائِدِي الليْلَةَ أَمْ مَنْ نَصِيحْ ... بِتُّ بنَصْبِ فَفُؤَدِي قَرِيْح

بَانَتْ فَأَمْسَى قلْبُهُ هائِمَاً ... قَدْ شَفَّهُ وَجْدٌ بِهَا ما يُرِيحْ

في سَلَفٍ أَرْعَنَ مُنْفجِرٍ ... يُقْدِمُ أُولى ظُعُنٍ كالطُّلُوحْ

عَالينَ رَقْماً فاخِراً لونُهُ ... منْ عَبْقَرِيٍّ كَنَجِيعِ الذَّبِيحْ

ومثله أبيات للمنخل بن عبيد اليشكري:

ولَقَدْ دخلت عَلَى الفَتَا ... ةِ الخِدْر في اليَوْمِ المَطِيرِ

الكَاعِبِ الحَسْنَاءِ تَرْ ... فلُ في الدّمَقْس وفِي الحَرير

فَدفَعْتُهَا فَتَدافَعَتْ ... مشْى القْطَاةِ إلى الْغَدِيرِ

وَعطَفْتُهَا فَتَعَطَّفَتْ ... كَتَعَطُّفِ الغْصْنِ النَّضِيرِ

وَلَثْمُتها فَتَنَفَّسَتْ ... كَتنفُّسِ الظَّبْيِ الْغَرير

ولَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ المُدَا ... مَةِ بِالكَبِيرِ وَبِالصَّغِيرِ

فإذا سكِرْتُ فَإنَّني ... رَبُّ الخَوَرْنقِ والسَّدِير

وإَذَا صحَوْتُ فَإنَّني ... ربُّ الشُّوَيْهَة والبَعِيرِ

ومثله أبيات كعب بن الأشرف اليهودي:

ربَّ خَالٍ لي لَوْ أَبْصَرْتَهُ ... سبِطِ المِشْيَةِ أباءٍ أنِفْ

لَيِّنِ الجانِبِ في أَقْرَبِهِ ... وَعَلَى الأَعْدَاءِ سَمٌّ كالذُّعُفْ

ولَنَا بِئْرٌ رَواءٌ جَمَّةٌ ... مَنْ يَرِدْهَا بإناءِ يَغْتَرِفْ