ووجه العيب فيهما: أن هذا الشاعر، لما قدم في البيت الأول الظلم وبغي العدى، كان الجيد أن يفسر هذين المعنيين في البيت الثاني بما يليق بهما، فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان الواجب أن يأتي بإزاء بغي العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو
بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان من أعدائه، فلم يأت بذلك وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر الفقر أو العدم لكان ما أتى به صواباً.
وقد يتفرع من هذا الباب خطآن إذا وقعا فيه، خرجا إلى بابين آخرين من أبواب عيوب الشعر.
أحدهما: أن يكون هذا الشاعر مثلاً لو لم يأت بخلاف القسم الثاني، بل تركه، لدخل في باب الخلل؛ ولو لم يتركه، بل أتى به وزاد عليه، لدخل في باب الحشو، وقد ذكرنا هذين البابين في مواضعهما.
ومن عيوب المعاني:
الاستحالة والتناقض.
الاستحالة والتناقض
وهما أن يذكر في الشعر شيء، فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة، والأشياء تتقابل على أربع جهات:
إما على طريق المضاف، ومعنى المضاف هو الشيء الذي إنما يقال بالقياس إلى غيره، مثل الضعف إلى نصفه، والمولى إلى عبده، والأب إلى ابنه، فكل واحد من الأب والابن والمولى والعبد والضعف والنصف يقال بالإضافة إلى الآخر، وهذه الأشياء من جهة ما أن كل واحد
منها يقال بالقياس إلى غيره، هي من المضاف، ومن جهة أن كل واحد منها بإزاء صاحبه كالمقابل له، فهي من المتقابلات.
وإما على طريق التضاد، مثل: الشرير للخير، والحار للبارد، والأبيض للأسود.
وإما على طريق العدم والقنية، مثل الأعمى والبصير، والأصلع وذي الجمة. وإما على طريق النفي والإثبات، مثل أن يقال: زيد جالس، زيد ليس بجالس.
فإذا أتى في الشعر جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات، وكان هذا الجمع من جهة واحدة، فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية، بل هو لاحق بجميع المعاني، وأعني بقولي: من جهة واحدة: ا، هـ قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور أو منظوم متقابلان
من هذه المتقابلات، ويكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من جهة واحدة، فيكون الكلام مستقيماً غير محال ولا متناقض، مثال ذلك أن يقال في تقابل المضاف: إن العشرة مثلاً ضعف وإنها نصف، لكن يقال: إنها ضعف لخمسة ونصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالاً إذا قيل
من جهتين، فأما من جهة واحدة كما إذا قيل: إنها ضعف ونصف لخمسة فلا.
وكذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم والقنية من جهتين، مثال ذلك أن يقال: زيد أعمى بصير القلبن فيكون ذلك صحيحاً، فأما من جهة واحدة، كما لو قيل في إنسان: واحد إنه أعمى العين بصيرها، فلا.
وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر: حار عند البارد، وبارد عند الحار، فأما عند أحدهما فلا.
وفي النفي والإثبات أن يقال: زيد جالس، في وقته الحاضر الذي هو فيه جالس، وغير جالس في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام، فذلك جائز، فأما في وقت واحد وحال واحدة جالس وغير جالس فلا.
ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل، مثل ما قال خفاف بن ندبة:
إذا انتكثَ الحبلُ ألفيتَه ... صبورَ الجنانِ رزيناً خفيفَاً
فلو لم تكن إرادته أنه رزين من حيث ليس خفيفاً، وخفيف من حيث ليس رزيناً، لم يجز، ومثل ما قال الشنفرى:
فدقتْ وجلتْ واسبكرتْ وأكملتْ ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ
فإنه إنما أراد دقت من جهة وجلت من أخرى، فأما لو كان أراد أنها دقت من حيث جلت، لم يكن جائزاً.
وقد جاء في الشعر من الاستحالة والتناقض ما لا عذر فيه، وما جمع فيما قيل فيه بين المتقابلات من جهة واحدة، ومنه ما التناقض فيه ظاهر، يعلم في أول ما يلقى السمع، ومنه ما يحتاج إلى تنبيه على موضع التناقض فيه.
ومما جاء في ذلك على جهة التضاد، قول أبي نواس يصف الخمر:
كأنَّ بقايا ما عفَا من حبابِها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ
فشبه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز، لأن الحباب يشبه الشيب في البياض وحده، لا في شيء آخر غيره، ثم قال:
تردتْ به ثم انفرَى عن أدِيمها ... تفرىَ ليلٍ عن بياض نهارٍ
فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل، هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من جهات العذر، لأن الأبيض والأسود
طرفان متضادان، وكل واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد يوصف بأنه أبيض وأسود، إلا كما يوصف الأدكن في الألوان بالقياس إلى واحد من الطرفين اللذين هو
واسطة بينهما، فيقال: إنه عند الأبيض أسود، وعند الأسود أبيض، وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة. ولعل قوماً أن يحتجوا لأبي نواس بأن يقولوا: إن قوله:
تفرى ليل عن بياض نهار
لم يرد به أسود ولا أبيض، لكن الذي أراده إنما هو ذات التفري وانحسار الشيء عن الشيء، أسود كان أو أبيض أو غير ذلك من الألوان.
فنقول: من يحتج بهذه الحجة تبطل من جهات: إحداها: أن الرجل قد صرح بأنه لم يرد غير اللون فقط، بقوله: عن بياض نهار، والثانية: تشبيهه الحباب بالشيب، لأن الحباب لا يشبه الشيب من جهة من الجهات غير البياض، والثالثة: أن النهار والليل ليس هما غير
الضياء والظلمة، فيظن بالجاعل
لهما في وصف من الأوصاف أنه أراد شيئاً آخر، فإن القائل مثلاً في شيء إنه قد تبرأ من شيء كما تتبرأ الشعرة من العجين، قد يجوز أن يصرف قوله هذا على وجهين: أحدهما: أن يظن أنه أراد ذات تبرؤ شيء، ويجوز أن يظن أنه إنما
أراد تبرؤ الأسود من الأبيض، لأن في الشعرة والعجين جسماً يجوز أن يتبرأ من جسم، وسواداً وبياضاً، فأما الليل والنهار فليس هما غير سواد وبياض فقط، فأما جسم يتبرأ من جسم فلا. التناقض على طريف المضاف: ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق المضاف،
قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس:
فإنِّي إذا ما الموتُ حلَّ بنفسِها ... يزالُ بنفسِي قبلَ ذاكَ فأقبرُ
فقد جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتي به، وجوابه هو قوله: يزال بنفسه قبل ذاك، وهذا شبيه بقول قائل
لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله، ومنزلة هذا التناقض عندي فوقه منزلة جمع المتقابلين في الشناعة، لأن هذا الشاعر جعل ما هو قبل بعداً.
التناقض على طريق القنية والعدم
ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم، قول ابن نوفل:
لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشيخٍ ... كبيرِ السنِّ ذي بصرٍ ضريرٍ
فلفظة: ضرير إنما تستعمل - وهي تصريف فعيل من الضر - في الأكثر للذي لا بصر له، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ: إنه ذو بصر وإنه ضرير، تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصراً ولا بصر له، فهو بصير
أعمى.
فإن قال قائل: إنه ضرير، راجع على البصر بأنه أعمى، فالعرب أولاً إنما تريد بضرير الإنسان الذي قد لحقه الضر بذهاب بصره لا البصر نفسه، وأيضاً فليس البصر هو العين التي يقع عليها العمى بل ذات الإبصار، وذات الإبصار لا يقال: إنها عمياء، كما لا
يقال: إن حدة السيف كليلة، بل إنما يقال: إن السيف كليل، لأن الحدة، لا تكل، وكذلك البصر لا يعمى، ولكن هو في توسع اللغة، وتسمح العرب في اللفظ جائز على طريق المجاز، وقد جاء في أقوى المواضع حجة، وهو القرآن في قوله عز وجل فإنها
لا تعمي الأبصار ولكنه إذا جاز في البصر أن يقال: أعمى، فلا أراه يجوز
أن يقال فيه: مضرور، وارى إنما يدخل في هذا الباب.
ومن التناقض قول ابن الرمة:
تراهُ إذا أبصرَ الضيفَ كلبهُ ... يكلمهُ من حبّه وهو أعجمُ
فإن هذا الشاعر أقنى الكلب الكلام، في قوله: أنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم، من غير أن يزيد في القول ما يدل على أن ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة، فإن عذر هذا الشاعر ببعض المعاذير، إذ كانت الحجج كثيرة، فهلا
قال كما قال عنترة العبسي:
فازورَّ من وقعِ القَنا بلبانهِ ... وشكَا إلى بعبرةٍ وتحمحمِ
فلم يخرج الفرس عما له من التحمحم إلى الكلام، ثم قال:
لو كانَ يدرِي ما المحاورةُ اشتكَى ... ولكان، لو علِم الكلامَ، مكلمِي
فوضع عنترة ما أراده في موضعه.
التناقض على طريق الإيجاب والسلب
ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق الإيجاب والسلب، قول عبد الرحمن بن عبد الله القس:
أرى هجرهَا والقتلَ مثلينِ فاقصرُوا ... ملامكمُ فالقتلُ أعفَى وأيسرُ
فأوجب هذا الشاعر الهجر والقتل أنهما مثلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إن القتل أعفى وأيسر، فكأنه قال: إن القتل مثل الهجر، وليس هو مثله.
وأرى أن هذا الشاعر أراد أن يقول: بل القتل أعفى وأيسر، ولو قال: بل لكان الشعر مستقيماً، لأن مقام لفظة: بل مقام ما ينفي الماضي ويثبت المستأنف، لكنه لما لم يقلها، وأتى بجمع الإثبات ونفيه استحال شعره.
وليس إذا علمنا أن شاعراً أراد لفظة تقيم شعره، فجعل مكانها لفظة تحيله وتفسده، وجب أن يحتسب له ما يتوهم أنه أراده، ويترك ما قد صرح به، ولو كانت الأمور كلها تجري على هذا لم يكن خطأ.
وأرى أن مما يجري هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدي، حيث قال:
أكفُّ الجهلَ عن حلماءِ قومي ... وأعرضُ عن كلامِ الجاهلينَا
ثم قال في هذه القصيدة بعد هذا البيت:
إذا رجلٌ تعرضَ مستخِفاً ... لنا بالجهلِ أوشكَ أن يحينَا
فقد أوجب هذا الشاعر في البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ونفى ذلك بعينه في البيت الثاني بتعديه في معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات وهو القتل.
ولأبي نواس أيضاً شيء شبه هذا وهو قوله:
ولي عهدٍ مالهُ قرينُ ... ولا له شبهٌ ولا خدينُ
استغفرُ اللهَ، بلَى هارونُ ... يا خيرَ من كانَ ومن يكونُ
إلا النبيُّ المصطفَى الميمونُ ... ذلت بك الدُّنيا وعزَّ الدينُ
فصير هارون شبيهاً بولي العهد، ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه إما خير منه، وليس خيراً منه، لأنه شبيهه أو كشبيهه، وليس بشبيهه، لأنه خير منه، وهذا جمع بين النفي والإثبات.
ومما يجري هذا المجرى، وقد أنكره الناس وعابوه، قول زهير ابن أبي سلمى:
حيَّ الديارَ الَّتي لم يعفُهَا القدمُ ... بلَى وغيرهَا الأرواحُ والديمُ
إيقاع الممتنع
ومن عيوب المعاني: إيقاع الممتنع فيها في حال ما يحوز وقوعه ويمكن كونه، والفرق بين الممتنع والمتناقض - الذي تقدم الكلام فيه - أن المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوره في الوهم، والممتنع لا يكون، ويجوز أن يتصور في الوهم.
ومما جاء في الشعر - قد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه - قول أبي نواس:
يا أمينَ الله عِشْ أبَداً ... دُمْ عَلَى الأيامِ والزمنِ
فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبداً، أو دعا له، وكلا الأمرين، مما لا يجوز، مستقبح.
ولعل معترضاً أن يعترض على هذا القول منا في هذا الموضع فيقول: إنه مناقضة لا استجزناه ورأيناه صواباً في صدر هذا الكتاب من الغلو، ويجعل قول أبي نواس هذا غلواً، يلزمنا تجويزه، كما أصلنا تجويز الغلو وتجويده.
ونحن نقول: إن هذا وما أشبهه ليس غلواً ولا إفراطاً، بل خروجاً عن حد الغلو الذي يجوز أن يقع إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لأن الغلو إنما هو تجاوز في نعت ما
للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لأن الذي كنا قلنا: إنه جائز، مثل قول النمر بن تولب: