ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 23

أخبار الحمقى والمغفلين

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 231,724 كلمة في هذا الجزء

وذكر أنه اجتمع على باب دار أبي جحا تراب كثير من هدم وغيره، فقال أبوه: الآن يلزمني الجيران برمي هذا التراب وأحتاج إلى مؤنة وما هو بالذي يصلح لضرب اللبن فما أدري ما أعمل به، فقال له جحا: إذا ذهب عنك هذا المقدار فليت شعري أي شيء تحسن؟، فقال أبوه: فعلمنا أنت ما تصنع به. فقال: يحفر له آبار ونكبسه فيها.

واشترى يوماً دقيقاً وحمله على حمال فهرب بالدقيق، فلما كان بعد أيام رآه جحا فاستتر منه، فقيل له: ما لك فعلت كذا؟ فقال: أخاف أن يطلب مني كراه.

ووجهه أبوه ليشتري رأساً مشوياً، فاشتراه وجلس في الطريق، فأكل عينيه وأذنيه ولسانه ودماغه، وحمل باقيه إلى أبيه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقال: هو الرأس الذي طلبته. قال: فأين عيناه؟ قال: كان أعمى. قال: فأين أذناه؟ قال: كان أصم. قال: فأين لسانه؟ قال: كان أخرس. قال: فأين دماغه؟ قال: فكان أقرع، قال: ويحك، رده وخذ بدله. قال: باعه صاحبه بالبراءة من كل عيب.

وحكي: أن جحا دفن دراهم في صحراء وجعل علامتها سحابة تظلها.

ومات أبوه فقيل له: إذهب واشتر الكفن، فقال: أخاف أن أشتري الكفن فتفوتني الصلاة عليه.

وحكي: أن المهدي أحضره ليمزح معه، فدعا بالنطع والسيف، فلما أقعد في النطع، قال للسياف: أنظر لا تصب محاجمي فإني قد احتجمت.

ورأوه يوماً في السوق يعدوا فقالوا: ما شأنك؟ قال: هلا مرت بكم جارية رجل مخضوب اللحية؟ واجتاز يوماً بباب الجامع فقال: ما هذا؟ فقيل مسجد الجامع، فقال: رحم الله جامعاً ما أحسن ما بنى مسجده.

ومر بقوم وفي كمه خوخ، فقال: من أخبرني بما ي كمي فله أكبر خوخةٍ، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم هذا إلا من أمه زانية.

وسمع قائلاً يقول ما أحسن القمر، فقال: أي والله خاصة في الليل.

وقال له رجل: أتحسن الحساب بإصبعك؟ قال: نعم، قال: خذ جريبين

حنطة، فعقد الخنصر والبنصر، فقال له: خذ جريبين شعيراً فعقد السبابة والإبهام وأقام الوسطى فقال الرجل لم أقمت الوسطى، قال: لئلا يختلط الحنطة بالشعير.

ومر يوماً بصبيان يلعبون ببازي ميت، فاشتراه منهم بدرهم وحمله إلى البيت، فقالت أمه: ويحك ما تصنع به وهو ميت؟ فقال لها: أسكتي فلو كان حياً ما طمعت في شرائه بمائة درهم.

وخرج أبوخ مرة إلى مكة فقال له عند وداعه: بالله لا تطل غيبتك واجتهد أن تكون عندنا في العيد لأجل الأضحية.

مزبد الأحمق

ومنهم مزبد. قال أبو زيد: قيل لمزبد: إن فلاناً الحفار قد مات، فقال: أبعده الله، من حفر حفرة سوء وقع فيها.

وقال مزبد لرجل: أيسرك أن تعطى ألف درهم وتسقط من فوق البيت؟ قال: لا، قال مزبد: وددت أنها لي وأسقط من فوق الثريا، فقال له الرجل: ويلك فإذا سقطت مت، قال: وما يدريك! لعلي سقطت في التبانين أو على فرش زبيدة. وقيل له: أيسرك أن تكون هذه الجبة لك؟ قال: نعم وأضرب عشرين سوطاً، قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.

أزهر الحمار الأحمق

ومنهم أزهر الحمار، كان جالساً بين يدي الأمير عمرو بن الليث يوماً يأكل بطيخاً فقال له عمرو: كيف طعمه يا أزهر أحلو هو؟ قال: ما أكلت الخرا قط؟ وقدم على الأمير عمرو رسول من عند السلطان، فأحضر مائدته، فقال

لأزهر: جملنا بسكوتك اليوم، فسكت طويلاً ثم لم يصبر فقال: بنيت في القرية برجاً ارتفاعه ألف خطوة، فأومأ إليه حاجبه أن أسكت، فقال له الرسول: في عرض كم؟ قال: في عرض خطوة، فقال له الرسول: ما كان ارتفاعه ألف خطوة لا يكفي عرضه خطوة! قال: أردت أن أزيد فيه فمنعني هذا الواقف.

وقدم رسول آخر فقيل لأزهر: لا تتكلم اليوم وتجمل لهذا الرسول، فسكت ساعة فعطس الرسول فأراد أزهر أن يشمته فيقول يرحمك الله فقال: صبحك الله، فقال الأمير: أليس قد قدمت إليك أن لا تتكلم! فقال: أردت أن لا يرجع الرسول إلى بغداد فيقول: إن هؤلاء لا يعرفون العربية.

وقال له الطبيب: خذ رمانتين فاعصرهما بشحميهما واشرب ماءهما، فعمد إلى رمانتين وقطعة شحم ودقهما ف موضع واحد وعصرهما وأخذ ماءهما فشربه.

أبو محمد الصيدلاني الأحمق

ومنهم أبو محمد جامع الصيدلاني. قال علي بن معاذ: كتبت إلى جامع الصيدلاني كتاباً فكتب جوابه وجعل عنوانه: إلى الذي كتب إلي.

وجاء إليه قوم في أمر حائط فقالوا: يا أبا محمد منذ كم تعرف هذا الحائط؟ فقال: أعرفه منذ كان وهو صغير لفلان.

وقيل له يوماً: كم سنة تعد؟ فقال: إحدى وسبعين سنة، قيل له: فمن تذكر من ولد العباس؟ قال: ايتاخ.

وركب زورقاً فأعطى الملاح قطعة فاستزاده، فقال: مسخني الله ذو أربع قوائم مثلك إن زدتك شيئاً.

ومضى إلى السوق ليشتري لابنه نعلاً، فقيل له كم سنة؟ فقال: ما أدري ولكنه ولد أول ما جاء العنب الداراني، ومحمد ابني، استودعه الله، أكبر منه بشهرين ونصف سنة.

وكانت له بنت فقيل له كم سنها؟ فقال: ما أدري إلا أنها ولدت أيام البراغيث.

وانبثق كنيف لجامع الصيدلاني، فقال لغلامه: بادر وأحضر من يصلحه حتى نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. وحج ابنه في بعض السنين فقال له: يا بني أنت تعلم أنني لا أصبر عنك، فأجهد نفسك أن لا تضحي إلا عندنا، فإنك تعلم أن أمك لا تأكل شيئاً في العيد حتى تجيء من الصلاة.

أبو عبد الله الجصاص الأحمق

ومنهم أبو عبد الله الجصاص. حكي عنه أنه كان يوماً يأكل مع الوزير، فلما فرغ من الأكل قال: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه. ونظر يوماً في المصحف وجعل يقول: رخيص والله، وهذا من فضل ربي، آكل وأتمتع بدرهم، وإذا في المصحف " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " فصحف ذرهم فظن أنه درهم.

ودخل ابن الجصاص يوماً على ابن الفرات الوزير الخاقاني وفي يده بطيخة كافور، فأراد أن يعطيها الوزير ويبصق في دجلة، فبصق في وجه الوزير ورمى البطيخة في دجلة، فارتاع الوزير وانزعج ابن الجصاص وتحير وقال: والله العظيم لقد أخطأت وغلطت أردت أن أبصق في وجهك وأرمي البطيخة في دجلة. فقال له الوزير: كذلك فعلت يا جاهل. فغلط في الفعل وأخطأ في الاعتذار.

ونظر يوماً في المرآة فقال: اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وسودها يوم تسود وجوه.

وقال يوماً: أشتهي بغلة مثل بغلة النبي ﷺ حتى أسميها دلدل.

وقال يوماً: خريت على يدي، فلو غسلتها ألف مرة لم تنظف حتى أغسلها مرتين.

ونظر يوماً في المرآة فقال لإنسان عنده: ترى لحيتي طالت؟ فقال له: المرآة في يدك. فقال: صدقت، ولكن الشاهد لا يرى ما لا يراه الغائب.

وكسر يوماً لوزاً فطارت لوزة فقال: لا إله إلا الله، كل شيء يهرب من الموت حتى البهائم.

وأهدى إلى العباس بن الأحنف الوزير نبقاً وكتب إليه: تفيلت أن تبقى فأهديتك النبقا فكتب في جوابه: ما تفيلت يا أبا عبد الله ولكن تبقرت. وكان ابن الجصاص يسبح كل يوم فيقول: نعوذ بالله من نعمه، ونتوب إليه من إحسانه، ونستقيله من عافيته، ونسأله عوائق الأمور. حسبي الله وأنبياؤه والثغور الكنائس، سبحان الله قبل الله سبحان الله بعد الله.

وأتاه غلامه يوماً بفرخ فقال: أنظروا إلى هذا الفرخ ما أشبهه بأمه، ثم قال: أمه ذكر أم أنثى؟ واعتل مرة فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الدنيا كلها محمومة.

وذكر محمد بن أحمد الترمذي قال: كنت عند الزجاج أعزيه بأمه وعنده الخلق من الرؤساء والكتاب، إذ أقبل ابن الجصاص فدخل ضاحكاً وهو يقول: الحمد لله قد سرني والله يا أبا إسحاق، فدهش الزجاج ومن حضر، وقيل له: يا هذا، كيف سرك ما غمه وغمنا؟ فقال: ويحك، بلغني أنه هو الذي مات، فلما صح عندي أنها هي التي ماتت سرني ذلك. فضحك الناس جميعاً.

وكتب ابن الجصاص إلى وكيل له يحمل إليه مائة من قطناً فحملها، فلما حلجها خرج منها ربع الوزن، فكتب إلى الوكيل: لم يحصل من هذا القطن إلا خمسة وعشرون مناً فلا تزرع بعد هذا إلا قطناً محلوجاً وشيئاً من الصوف أيضاً.

ودخل يوماً بستاناً فثار به المرار، فطلب بصلاً بخل ليطفىء المرار، ولم يكن عند البستاني فقال له: لم لم تزرع لنا بصلاً بخل.

وكان يوماً خلف الإمام فقال الإمام: " ولا الضالين "، فقال ابن الجصاص: أي لعمري.

وكان إذا سبح يقول: حسبي الله وحدي.

وقال يوماً: ينبغي للإنسان أن يصير إلى المقابر ليغتاظ، أراد يسير ليتعظ.

وقال يوماً: كان الفأر يؤذينا في سقوفنا، فوصف لي إنسان دواء فما سمعت لهم حسوه، وأراد حساً.

وذكر يوماً ثلاثة أصناف من الثياب ثم قال: إذا لبست واحدة من هؤلاء فما أبالي بغيرها.

وقال يوماً: كان الهواء البارحة بارداً، إلا إني لم أجده.

وقدمت له هريسة من نعامة فاستطابها فقال: كيف لو أكلتها بقرية؟ أراد سكباجاً. ومرض فقيل له: لعلك تناولت شيئاً ضاراً؟ فقال: لا والله ما أكلت إلا مزورة بفرخ فروج.

وذكر بين يديه رجل فقال: أخبرتني أمه أنه ولد أبوه وله ثمانون سنة.

وقدمت إليه اسفيداجة فقال لمن حوله: كلوا فهذه أم القرى.

وقال يوماً: قمت البارحة إلى المستراح وقد انطفأ القنديل، فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وجدتها.

ودخل يوماً على مريض فجلس عنده، فشكا إليه الكتف فقال: والله ما أغفل من وجع كتفي هذين، وضرب بيديه على ركبتيه.

ابن الجصاص لم يكن أحمق

وقد نقل عن ابن الجصاص ما يدل على أنه كان يقصد التطابع لا أنه كان بهذه المثابة.

عن علي بن أبي علي التنوخي عن أبيه قال: اجتمعت ببغداد سنة ست وخمسين وثلاثمائة مع أبي علي بن أبي عبد الله بن الجصاص فرأيته شيخاً حسناً طيب المحاضرة، فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف الإمام حين قرأنا " ولا الضالين " فقال: أي لعمري بدلاً عن آمين، ومثل قوله أراد أن يقبل رأس الوزير فقل له: أفيه ذهب؟ فقال: لو كان في رأس الوزير خرا لقبلته، ومثل قوله وقد وصف مصحفاً بالعتق فقال: كسروي! فقال: أما أي لعمري ونحو هذا

فكذب، وما كان فيه علامة تخرجه إلى هذا، وما كان إلا من أدهى الناس، ولكنه يطلق بحضرة الوزراء قريباً مما يحكى عنه لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أن يصور نفسه عندهم بصورة الأبله ليأمنه الوزراء لكثرة خلواته بالخلفاء فيسلم عليهم.

قصة الجصاص مع ابن الفرات

وأنا أحدثك عنه حديثاً حدثنا به، تعلم معه أنه كان في غاية الحزم، فإنه حدثني فقال: إن أبا الحسن بن الفرات لما ولي الوزارة قصدني قصداً قبيحاً، فأنفذ العمال إلى ضياعي وأمر بقبض معاملاتي وبسط لسانه بثلبي وتنقصني في مجلسه، فدخلت يوماً داره فسمعت حاجبه يقول وقد وليت: أي بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس له من يأخذه؟ فقلت: إن هذا من كلام صاحبه وإني مسلوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف دينار عيناً وجواهر، سوى ما يحتويه عليه ملكي. فهسرت ليلتي أفكر

في أمري معه، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير، فركبت إلى داره في الحال فوجدت الأبواب مغلقة فطرقتها، فقال البوابون: من هذا؟ قلت: ابن الجصاص. فقالوا: ليسوا هذا وقت وصول، والوزير نائم، فقلت:

عرفوا الحجاب إني حضرت في مهم، فعرفوهم فخرج إلي أحدهم فقال: إنه إلى ساعة ينتبه فيجلس، فقلت: الأمر أهم من ذاك، فنبهه وعرفه عني، فدخل وأبطأ ساعة ثم خرج وأدخلني إلى دار حتى انتهيت إلى مرقده وهو جالس على سرير له وحواليه نحو خمسين فراشاً وغلمان كأنهم حفة وهو مرتاع قد ظن أن حادثة حدثت وأني جئته برسالة الخليفة وهو متوقع لما أورده، فقام فرفعني وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ هل حدثت حادثة أو معك من الخليفة رسالة؟ قلت: خير ما حدثت